*حرب مصالح شخصية تورّط ترامب وأمريكا… وخطورة هذه الحرب على مكانة واشنطن في العالم*
محمد كوراني
لم تعد الحرب الدائرة ضد إيران مجرد مواجهة عسكرية يمكن قياسها بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو بعدد القتلى والخسائر. فمثل هذه الأرقام، على أهميتها العسكرية، تبقى سطحية إذا ما قورنت بالبعد السياسي العميق لهذه المواجهة خاصة ما يتعلق بزعزعة مكانة امريكا في العالم بعد تحديه كل دول العالم خاصة اوروبا والصين وروسيا.
إن ما يجري اليوم يبدو أقرب إلى حرب مصالح شخصية وسياسية تورّطت فيها الولايات المتحدة بسبب خيارات رئيسها Donald Trump، وبسبب نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل النظام السياسي الأمريكي و ابتزازات ابستين لزعماء امريكا.
لقد حاولت بعض الروايات الإعلامية في البداية تصوير ما حدث على أنه عملية إسرائيلية منفردة. غير أن تطور الأحداث، وتسريب المعلومات العسكرية، وظهور المواقف السياسية الدولية، كشف أن واشنطن ليست بعيدة عن المعركة، بل إنها منخرطة فيها سياسياً وعسكرياً بشكل مباشر أو غير مباشر بضغوطات الصهيونية العالمية.
إسرائيل وجرّ الولايات المتحدة إلى المواجهة
يرى كثير من المراقبين أن إسرائيل نجحت مرة أخرى في جرّ واشنطن إلى مواجهة تخدم أولوياتها الأمنية والاستراتيجية الضيقة والخاصة. ويذهب بعض المنتقدين إلى حد القول إن الإدارة الأمريكية بدت وكأنها تسير خلف القرار الإسرائيلي بدافع نفوذ المال السياسي واللوبيات الصهيونية في الغرب.
وبغض النظر عن التحليلات في هذا الطرح، فإن الواقع السياسي يؤكد أن القرار الأمريكي لم يكن مستقلاً بالكامل، وأن التحالف الوثيق بين واشنطن وتل أبيب جعل الولايات المتحدة تتحمل تبعات معركة قد لا تخدم مصالحها الاستراتيجية على المدى القريب والبعيد.
انتقادات داخلية في أمريكا
الأخطر بالنسبة لواشنطن ليس فقط ما يحدث في ساحة الحرب، بل الانقسام الداخلي الأمريكي حول هذه السياسة.
فقد صدرت انتقادات حادة من شخصيات بارزة في الحزب الديمقراطي الأمريكي، الذين اعتبروا أن الدخول في مواجهة واسعة مع إيران يمثل مغامرة غير محسوبة قد تجرّ الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية كبيرة.
ويحذر كثير من السياسيين الأمريكيين من أن القرارات الانفعالية أو ذات الدوافع الانتخابية قد تضر بالمصالح الأمريكية الاستراتيجية، خصوصاً في ظل التوترات العالمية المتصاعدة.
انتقادات أوروبية ودولية
لم تقتصر الانتقادات على الداخل الأمريكي فقط، بل امتدت إلى عدد من الدول الأوروبية التي أبدت قلقاً واضحاً من التصعيد العسكري.
فقد ظهرت مواقف سياسية وإعلامية في إسبانيا وإيطاليا تنتقد منطق الحرب والتصعيد، وتحذر من أن هذه المواجهة قد تدفع المنطقة والعالم إلى مرحلة خطيرة من عدم الاستقرار.
كما ارتفعت أصوات كثيرة في مختلف أنحاء العالم من سياسيين ومفكرين وناشطين يرون أن السياسة الأمريكية الحالية تعكس تهوراً خطيراً قد يضعف مكانة الولايات المتحدة الأخلاقية والسياسية في النظام الدولي وتعكس عدم ثقة كبيرة بالسياسات الامريكية.
المسألة ليست أرقاماً عسكرية
لكن المعنى الأعمق للحرب لا يكمن في عدد الصواريخ التي أُطلقت أو في حجم الخسائر.
إن العبرة الكبرى تكمن في الجرأة على تحدي القوة الأعظم في العالم. فالولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في التاريخ الحديث، وتمارس نفوذها عبر المؤسسات الدولية والاقتصاد العالمي والتحالفات العسكرية.
وقد اتهم كثير من المنتقدين الإدارة الأمريكية بأنها تتصرف وكأنها فوق القانون الدولي، متجاوزة قرارات الأمم المتحدة ومبادئ النظام العالمي و هذا يضر بالتحالفات العالمية و بالثقة الدولية.
في هذا السياق يرى بعض المحللين أن سلوك القيادة الأمريكية يقترب من نموذج “فرعون الألفية الثالثة”؛ أي الحاكم الذي يتصرف باعتباره فوق المؤسسات والقوانين الدولية.
درس التاريخ: سقوط الهيبة قبل سقوط القوة
التاريخ مليء بالأمثلة التي تثبت أن الهيبة السياسية هي أساس القوة.
فعندما كان نابليون بونابرت في أوج مجده، كانت معظم أوروبا تخشاه أكثر مما تقاتله. لكن اللحظة التي بدأت فيها الدول الأوروبية الصغيرة تتجرأ على تحديه كانت بداية النهاية لإمبراطوريته.
والأمر نفسه تكرر مع أدولف هتلر؛ إذ لم يكن سقوطه مجرد نتيجة لمعركة واحدة، بل نتيجة تحطم أسطورة الزعيم الذي لا يُقهر.
وهذه قاعدة ثابتة في التاريخ السياسي:
الطغيان يسقط حين تنكسر هيبته قبل أن تنكسر جيوشه.
الخطر الحقيقي على أمريكا
من هذا المنظور، قد لا تكون الخسائر العسكرية هي الخطر الأكبر على الولايات المتحدة في هذه الحرب.
الخطر الحقيقي يكمن في تآكل صورتها الدولية بوصفها دولة تقود النظام العالمي وتحترم القوانين والمؤسسات الدولية.
فإذا ترسخ في وعي الشعوب والدول أن واشنطن تتصرف بدافع مصالح ضيقة أو حسابات شخصية لقادتها، فإن ذلك قد يسرّع في تراجع الهيمنة الأمريكية ويفتح الباب أمام نظام عالمي أكثر تعددية.
الخلاصة الصعبة
قد تنتهي الحرب بنتائج عسكرية محدودة أو واسعة، لكن أثرها الحقيقي سيظهر في التحولات السياسية التي ستتركها في النظام الدولي.
فالحروب الكبرى لا تغيّر الجغرافيا فقط، بل تغيّر هيبة القوى الكبرى في عيون العالم.
وحين تبدأ صورة القوة العظمى بالتصدع وبعدم الثقة بالمواقف و سياسات امريكا و تحالفاتها، فإن التاريخ يعلّمنا أن العدّ التنازلي لمرحلة جديدة في موازين القوى قد بدأ بالفعل.
#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة
https://t.me/M_Civilization #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
