الشيعة بين الانتحار السياسي و مهمة انقاذ العالم

*الشيعة بين الانتحار السياسي و مهمة انقاذ العالم*

محمد كوراني

عقيدة الانتظار الإيجابي عند الشيعة في عصر الغيبة، هي الاساس. تقوم عقيدةُ الانتظار عند الشيعة الإماميّة، في أصلها الفكري والعقدي، على مفهومٍ عميقٍ يرتبط بعصر غيبة الإمام المهدي (عج)، وهو مفهوم الانتظار الإيجابي؛ أي الانتظار الذي لا يعني السكونَ المطلق، ولا الاستسلامَ للواقع، بل يعني حفظَ الدين، وصيانةَ الإيمان، والثباتَ على الحقّ، والاستعدادَ الروحيّ والعقليّ والأخلاقيّ لليوم الموعود الذي يظهر فيه الإمام ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا.

وقد بُني هذا النهج، عبر قرونٍ طويلة، على أصلٍ مركزيّ في الفكر الإمامي، هو التقيّة، التي وردت في الروايات بوصفها من ركائز حفظ الدين والنفس والمجتمع في زمن الاستضعاف والاضطراب، حتى قيل: «التقيّة ديني ودين آبائي»؛ أي إنّها منهجُ حكمةٍ وبصيرة، لا منهجُ ضعفٍ أو تراجع، إذ تعني معرفةَ الأولويّات، وتشخيصَ الخطر الأكبر، وتجنّبَ الصدامات التي تؤدّي إلى ضياع الجماعة المؤمنة أو انطفاء نور الرسالة.

ومن هنا، نشأ في العقيدة الشيعيّة التاريخيّة في عصر الغيبة ميلٌ واضحٌ إلى نبذ الجهاد الابتدائيّ، وعدم السعي إلى تأسيس دولةٍ أو كيانٍ سياسيّ باسم الدين، وعدم الانخراط المباشر في السلطة والسياسة بوصفها غايةً بذاتها؛ لأنّ هذا النشاط السياسي تعارض مفهوم انتظارَ الإمام المعصوم، واعتبارَ أنّ اكتمالَ المشروع الإلهيّ لا يكون إلا بقيادته. حتى إنّ الاشتغالَ السياسيّ لرجل الدين الشيعيّ، في كثيرٍ من الأزمنة، كان يُنظر إليه بعين الريبة الاجتماعيّة، ويُعدّ خروجًا عن المألوف في العرف الدينيّ العام.

واستُثني من هذه القاعدة الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، والدفاعُ عن النفس، والجهادُ الدفاعيّ عند وقوع العدوان؛ لأنّ حفظَ النفس، وصيانةَ المجتمع، ومنعَ الظلم، كلّها من الواجبات التي لا يسوغ تركها. أمّا تحويل الاستثناء إلى أصل، وجعل المواجهة الدائمة نهجًا عامًا، فذلك ممّا يخالف المسار التاريخيّ الذي رسمه أئمّة أهل البيت لأتباعهم في زمن الغيبة.

غير أنّ تحوّلاتٍ كبرى شهدها العصر الحديث غيّرت الظروف تغييرًا جذريًّا، ودفعت الفكرَ الشيعيّ إلى مراجعة أدواته الدفاعيّة وآليّات حضوره في العالم.

التحوّل الأوّل تمثّل في قيام صراعاتٍ إقليميّةٍ كبرى، وظهور الكيان الإسرائيليّ في قلب المنطقة الاسلامية، وما ترتّب على ذلك من اختلالٍ عميقٍ في موازين القوى، وتبدّلٍ واسعٍ في البنية السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة في العالم الإسلاميّ، مع تدخلاتٍ دوليّةٍ متشابكة أثّرت في مصير المنطقة واتجاهاتها.

أمّا التحوّل الثاني فكان الثورةَ العلميّة والتكنولوجيّة الهائلة، التي أزالت الحدود بين الشعوب، وأسقطت كثيرًا من الحواجز الثقافيّة والاجتماعيّة، وجعلت الإنسان يعيش في فضاءٍ مفتوحٍ لا جدران فيه ولا سقوف، تنتقل إليه الأفكار والصور والقيم بلا استئذان. وفي هذا الانفتاح الهائل، تسلّلت أنماطٌ جديدة من الفساد والانحراف، وظهرت أشكالٌ متعدّدة من الإدمان الرقميّ، والتضليل الإعلاميّ، والتلاعب بالعقول، حتى اختلطت المعايير عند كثيرين، والتبس الحقّ بالباطل، والخير بالشرّ، بفعل الخداع المنظّم وصناعة الوهم.

أمام هذه المتغيّرات، برزت في الوسط الشيعيّ مدرسةٌ جديدةٌ في إدارة الشأن العام، هي مدرسة ولاية الفقيه أو المرجعيّة الدينية السياسيّة، بوصفها ـ في نظر أصحابها ـ خيارًا دفاعيًّا لا هجوميًّا، هدفه حمايةُ الإنسان، وصيانةُ المجتمع، والدفاعُ عن الدين والعقيدة، وحفظُ ما تبقّى من القيم الإنسانيّة والعقلانيّة في وجه الانهيار الأخلاقيّ والحضاريّ.

ومع ذلك، يبقى أصلُ التقيّة حاضرًا في الفكر الشيعيّ؛ لأنّ التقيّة، في معناها العميق، ليست خوفًا، بل فقهُ الأولويّات، وتركيزُ الجهد على مواجهة الخطر الأكبر، وتأجيلُ معالجة ما هو أدنى خطرًا حتى تستقرّ الأحوال وتتهيّأ الظروف. ولهذا ورد في الروايات أنّ التقيّة باقيةٌ إلى زمن ظهور الإمام المهدي، بما يعني أنّ شدّة الفتن، واقتراب لحظات التحوّل الكبرى، يزيدان الحاجة إلى الحكمة، وضبط الانفعال، وحسن التقدير.

غير أنّ هذه التقيّة، في بعدها الفرديّ والروحيّ، لا تعني فتورَ الإيمان، بل على العكس؛ فكلّما اشتدّت الحاجة إلى التقيّة ظاهرًا، اشتدّت الحاجة إلى التمسّك بالحقّ باطنًا؛ قلبًا، وروحًا، وعقلًا، ووعيًا، حتى يبلغ المؤمن مرتبةَ الصلابة الداخليّة، والثبات العقليّ، واليقين الإيمانيّ، والانحياز الكامل للحقيقة، لا تعصّبًا أعمى، بل تعلّقًا واعيًا بالحقّ حيث يكون، وبالعدل حيث يقوم، وبالإيمان حيث يتجلّى.

وهكذا يكون الانتظارُ الإيجابيّ: حكمةً في الحركة، وصبرًا في المحنة، وثباتًا في العقيدة، واستعدادًا دائمًا لليوم الذي يظهر فيه الحقّ ظاهرًا بعد أن يكون قد استقرّ في النفوس باطنًا.

لذلك اذا كنا من المؤمنين بالله، ممن يعتبر ان الله فعال ما يشاء و إن الله “{كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}” و ان الله “يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ”، فيجب ان نكون متأكدين مأئة في المائة بأن { {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} }.

العلوم الإنسانية الإسلامية

#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة

https://t.me/M_Civilization  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

رسالة، دعوةٍ صادقة إلى أهل…

رسالة بدعوةٍ صادقة إلى أهل الفكر والوعي من الطائفة الكريمة ، من…

الشيعة بين الانتحار السياسي و…

*الشيعة بين الانتحار السياسي و مهمة انقاذ العالم* محمد كوراني عقيدة الانتظار…

لسنا ابناء حرب ولكننا أبناء…

*لسنا أبناء حرب… ولكننا أبناء حقّ*   لسنا ممّن خُلقوا ليعشقوا الدم،…

مقالات إضافية

رسالة، دعوةٍ صادقة إلى أهل…

رسالة بدعوةٍ صادقة إلى أهل الفكر والوعي من الطائفة الكريمة ، من…

الشيعة بين الانتحار السياسي و…

*الشيعة بين الانتحار السياسي و مهمة انقاذ العالم* محمد كوراني عقيدة الانتظار…

لسنا ابناء حرب ولكننا أبناء…

*لسنا أبناء حرب… ولكننا أبناء حقّ*   لسنا ممّن خُلقوا ليعشقوا الدم،…