*الأعلمية الفقهية: نور الله في الأرض ومناط التسديد الإلهي*
محمد كوراني
في الواقع العلم ليس مخزوناً معرفياُ بل نورا الهيا وليس معرفة متزايدة بل حقيقة ثابتة. عندما نبحث في مسألة الأعلمية الفقهية، نقف أمام حقيقة كبرى غائبة عن الكثير من التصورات السائدة. فالشائع عندنا أن الأعلمية كثرة معلوماته عن الكتب والشخصيات المعروفة و اقوالهم و حواراتهم كأنها “مركز بيانات”، أي قدرة الفقيه على تخزين المعلومات واسترجاعها، كما تفعل الحواسيب ومراكز تجميع الداتا. هذا التصور المادي للعلم هو ما تروج له الثقافة الغربية التي تنظر إلى كل شيء بمرآة النسبية و التغيير.
لكن العلم في المنظور الإسلامي الأصيل ليس مجرد “داتا”، بل هو نور يقذفه الله في القلب، والعلم حقيقة ثابتة عند الله، وليست أمراً نسبياً كما يزعم الغرب بنسبية المعرفة و يروج له بعض رجال الدين بإنه إحاطة بالموضوعات العلمية و معرفة بالمسائل الفقهية والأصولية المتنوعة والمتعارضة. هذا النور الإلهي هو الذي يصنع الفرق بين الفقيه الأعلم وغيره.
من المغالطات الكبرى التي يروجها البعض أن الأعلمية وحدها لا تكفي، وأنها تحتاج إلى “كفاءة” والشجاعة والتقوى والزهد، منفصلة عنها. هذا التقسيم الخاطئ ينطلق من نظرة مادية للعلم.
العلم الحقيقي يحتوي على الكفاءة والشجاعة والعدالة والزهد و ملكة التقوى ذاتياً: عندما يحصل الفقيه على العلم، فهذا يعني أنه يمتلك الاحاطة وجودية على هذا الموضوع و هو بالضرورة أقدر الناس على إدارة تلك الواقعة من حيث النتيجة وليس بالضرورة من حيث الادوات والطرق والاسباب. الكفاءة الإدارية ليست شيئاً خارجاً عن هذه الأسباب، بل هي ثمرته الطبيعية للاحاطة الوجودية والعلم الالهي بهذا الموضوع.
القوة والقدرة ثمرة العلم اليقيني:
الفقيه الأعلم لأنه يرى الحكم الإلهي بنور الله، تكون شجاعته وكفاءته وقدرته في إعلانه أشد من غيره. لكن الناس تحتاج أن ترى القوة والكفاءة في الأعلم
هنا نقطة دقيقة: الأعلم الحقيقي يمتلك القوة والكفاءة، لكن الناس قد لا تراها أول الأمر. المطلوب من الناس هو التكامل في معرفة أولياء الله و أحوالهم و هي تقتضي النظر بعين البصيرة. النور الإلهي قد يحتاج إلى التدرج في الدين لكي يرى بالعين المجردة بالتسلسل، خاصة في عصر كثرت فيه الشبهات وتزاحمت الأصوات.
التسديد الإلهي، السنخية بين الأعلمية و التفاف الناس
هنا تبرز الحقيقة الكبرى: العلاقة بين الأعلمية والتسديد الإلهي. هذه العلاقة ليست اعتباطية، بل مترابطة. كما أن النار لا تخلق إلا حرارة، والنور لا يخلق إلا إضاءة، فالعلم الإلهي الحقيقي لا يخلق إلا تسديداً من الله وتأييداً. قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] . كلما كان الفقيه أعلم (أي أقرب إلى نور الله وحقيقته الثابتة)، كان التسديد الإلهي له أكبر، وكانت قدرته على تجاوز العقبات أعظم. هذه سنة إلهية لا تتخلف: التأييد الغيبي حليف الأعلم: كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): “إن الله ليدفع بالعالم عن أرضه كما يدفع عن أرضه الملائكة” .
عندما نقول إن الأعلمية لا تحتاج إلى شيء آخر، فهذا يشمل البيعة والدعم الشعبي أيضاً. لكن كيف نفهم العلاقة؟ فالبيعة ليست مصدرا شرعيا بل انعكاس نور. الدعم الشعبي والبيعة ليسا مصدراً لشرعية الأعلم، بل هما نتيجة طبيعية لظهور نوره وهداه. الناس بفطرتهم يميلون إلى من يرون فيه الكمال العلمي والروحي.
ماذا يحدث إذا لم يلتفت الناس حول الأعلم، وتصدى للشأن العام من هو دونه في العلم؟ هنا نصل إلى نقطة محورية: نقص التسديد الإلهي: عندما يتولى غير الأعلم، تقل نسبة التسديد الإلهي لأن السنخية بينه وبين النور الإلهي أضعف. قد يكون عالماً، لكنه ليس الأعلم، فحظه من التأييد أقل. الأزمات والمشاكل نتيجة حتمية: هذه الأزمات ليست مجرد صدفة، بل هي سنة إلهية ليبين للناس أن من تنكب طريق الأعلمية لا يمكن أن يصلح أمر الأمة. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بالتي هي أقوم، وأقومها إمامها الأعلم” . نهايتان لا ثالث لهما: عندما يبتعد الناس عن الأعلم، يكون المصير أحد أمرين: إما الرجوع إلى الأعلم: بعد معاناة الأزمات والمشاكل، قد يفيق الناس ويرجعون إلى الأعلم، فتصلح أمورهم. وإما تضييع الأمة: إذا استمر الناس في غيهم وابتعادهم عن الأعلم، يضيع أمر الأمة ولا يصلح، وهذاده مقدمة لظهور الإمام المعصوم (عجل الله فرجه).
اذا كلما ابتعد الناس عن الأعلم، يقل التسديد، وتزداد الأزمات، حتى يصل الأمر إلى أن الأمة لا تستقر ولا تصلح إلا بظهور الإمام المعصوم (عجل الله فرجه) . وهذا معنى عميق: الاعتماد على غير الأعلم يقود الأمة إلى طريق مسدود لا ينفك إلا بالمعصوم.
يقول الإمام الباقر (عليه السلام): “إذا غاب القائم استغش الناس وجوه الظلمة، وتفرقت الكلمة، وظهر النصب، وكثر القتل والهرج، حتى يظهر الحق وأهله” . هذه الأوصاف هي نتيجة طبيعية للابتعاد عن القيادة الإلهية المتمثلة في العلماء الأعلام. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما ولت أمة قط أمرها رجلاً وفيهم أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا» .
الأدلة على ارتباط الأعلمية بالتسديد الإلهي
1.آية النور: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ… يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء} [النور: 35] . العلم نور، والله يهدي لهذا النور من يشاء، والأعلم هو الأقرب لهذا النور.
2.آية درجات العلم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] . الرفعة هنا تشمل الرفعة المعنوية والتسديد الإلهي والقدرة على التأثير.
3.آية التفضيل في الهداية: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى} [يونس: 35] . من يهدي إلى الحق (الأعلم) هو الأحق بالاتباع، واتباعه يستتبع التسديد.
1.حديث “علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل” : هذا التشبيه بالنبي يقتضي أن العالم له من التسديد والتأييد ما يقرب مما كان للأنبياء، والأعلم أوفرهم حظاً.
2.ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) : “إن العالم إذا لم ينتفع بعلمه لم تزدد الحجة عليه إلا قوة، ولم يبعد من الله إلا بعداً” . هذا يدل على أن العلم الصحيح يوجب القرب من الله، والقرب يستتبع التسديد.
3.صحيحة عيص بن القاسم عن الإمام الصادق (عليه السلام): «فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها…» .
4.وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما ولت أمة قط أمرها رجلاً وفيهم أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا» .
مسألة الأعلمية الفقهية ليست مسألة آكاديمية و مباحث نظرية وكتب و ابحاث، بل هي قضية مصيرية للبشرية. من يظن أن الأعلمية تحتاج إلى كفاءة منفصلة، أو أن البيعة والدعم الشعبي شرط لشرعيتها، فإنه يخلط بين السبب والمسبب.
1. الأعلمية وحدها كافية لأنها تحتوي في ذاتها على الكفاءة والشجاعة والقوة والدعم الشعبي، ليس كأمور منفصلة، بل كآثار طبيعية للعلم النوراني.
2. التسديد الإلهي يتناسب طردياً مع درجة الأعلمية. كلما كان الفقيه أعلم، كان تأييد الله له أكبر، وكانت قدرته على تجاوز العقبات أعظم.
3. الالتفاف الشعبي ليس شرطاً لشرعية الأعلم، بل هو اختبار للأمة. فإن التفت حول الأعلم، سلمت من الأزمات ونالت التسديد. وإن التفت حول غيره، دخلت في متاهات لا تنتهي إلا بالرجوع إلى الأعلم أو تضييع الأمة حتى ظهور المعصوم.
4. العلاقة بالمعصوم (عج) : الأعلم هو وحده الحلقة الواصلة بين الأمة والإمام الغائب. فمن تمسك بالأعلم، فقد تمسك بالخط الممتد إلى المعصوم. ومن أعرض عنه، فقد قطع هذا الخط وانتظر الفوضى أو الظهور.
5. الرجوع إلى الأعلم هو مفتاح الخروج من الأزمات. مهما طال الانحراف، فإن الرجوع إلى الأعلم هو بداية الإصلاح وعودة التسديد.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “الناس بخير ما تباينوا، فإذا استووا هلكوا” . التباين في العلم والعمل هو سر بقاء الأمة، والأعلمية هي قمة هذا التباين، وهي النور الذي يهدي الله به من يشاء من عباده إلى صراطه المستقيم. فقال امير المؤمنين (عليه السلام): “أيها الناس، إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه” . القوة مظهر للعلم والعلم مجتمعان في الأعلمية، فمن طلب غيره فقد طلب السراب.
#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة
https://t.me/M_Civilization #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
