*الشوائب غير العلمية في نشأة العلوم الإنسانية* محمد كوراني ، ٢٠٢٦.٠٨.٠٦ – أدت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر الى تحولات اقتصادية واجتماعية كبرى و ظهور مشكلات جديدة: منها الهجرة إلى المدن والفقر وكثرة المصانع و اختلاف الطبقات الاجتماعية و الحاجة الى التعليم الشعبي، فأصبحت هناك حاجة إلى علوم متخصصة لدراسة هذه الظواهر. فشهدنا ولادة العلوم الإنسانية الحديثة، حيث بدأ كل علم ينفصل عن الفلسفة الرائجة ويؤسس موضوعه ومنهجه الخاص، مثلا: أوغست كونت: أسس علم الاجتماع. إميل دوركايم: أسس تطوير المنهج الاجتماعي. آدم سميث: أسس الاقتصاد. فيلهلم فونت: أسس علم النفس التجريبي. و فرويد نظر لعلم النفس. وفرانتس بواس: أسس الأنثروبولوجيا الحديثة. في البداية كان اسمها العام الفلسفة الأخلاقية أو الفلسفة العملية، ثم مع تراكم المعرفة أصبح الباحثون يعجزون عن الإحاطة بكل شيء، فحدث التخصص العلمي.
لذلك تُعد العلوم الإنسانية والاجتماعية من أكثر مجالات المعرفة إثارة للجدل، ليس فقط بسبب تعقيد موضوعها (الإنسان والمجتمع)، بل لأن الباحث فيها ليس مراقبًا محايدًا بل جزءًا من الموضوع ذاته. وقد أدرك العديد من رواد هذه العلوم هذه الإشكالية، واعترفوا – بصراحة متفاوتة – بأن نظرياتهم ومناهجهم يشوبها تحيزات وأفكار مسبقة، وأن ما يُقدم على أنه “علم موضوعي” غالبًا ما يكون مشبعًا بخلفيات ثقافية، وسياسية، واستعمارية، وأيديولوجية. يستعرض هذا المقال أبرز هذه الاعترافات،
*أولاً: الاعتراف بحتمية التحيز في العلوم الاجتماعية*
من أبرز الأصوات التي نادت بحتمية التحيز في البحث العلمي الاجتماعي، المفكر المصري “جلال أمين” ، الذي يرى أن عالم الاجتماع أو الاقتصادي “هو واحد من البشر. وهو كواحد من البشر لا يرى الأشياء نقية صافية، بل يراها، كما يراها سائر البشر، مختلطة بما في ذهنه من أفكار مسبقة أو بما في قلبه من مشاعر دفينة”. ويضيف مؤكدًا أن الإنسان “لا ينظر إلى الأشياء نظرة محايدة أو مجردة من الهوى، ولا أظنه يستطيع ذلك مهما حسنت نيته وصدق عزمه”.
هذا الإقرار بحتمية التحيز ليس مجرد رأي عابر، بل تأسيس إبستمولوجي يضع العلوم الإنسانية في إطارها الواقعي، حيث يعترف الباحث بأن ما يصل إليه من استنتاجات “سيكون بدوره متأثرًا بأفكار ومشاعر مسبقة”.
*ثانياً: الأنثروبولوجيا بين العلم والاستعمار*
يُعد علم الأنثروبولوجيا من أكثر العلوم الإنسانية التي واجهت اتهامات بالتحيز الاستعماري، وقد اعترف العديد من المنظرين والباحثين بهذه العلاقة الإشكالية. فالمتتبع لتاريخ الأنثروبولوجيا “يجد أن لها ارتباطًا بنشأة علم الاستشراق الذي استعمل بدوره أيضًا في خدمة أجندات استعمارية للقوى الكولونيالية الكبرى”.
وفي اعتراف صريح بطبيعة هذا العلم، يوضح عالم الأنثروبولوجيا المغربي “حسن رشيق” أن الأنثروبولوجيا “بدأت كما بدأ الاستشراق في أواخر القرن التاسع عشر، وتطورت في القرن العشرين، واعتمدت على تقارير الرحالة والمستشرقين. والمرحلة الوضعية في أوروبا جاءت بعد ذلك، وكانت موقفًا استعماريًّا، أي أنه يجب دراسة البلدان التي سنستعمرها بطريقة علمية، أي التمهيد لهذا الاستعمار”.
هذا الاعتراف يكشف أن الأنثروبولوجيا لم تكن مجرد علم محايد، بل أداة في خدمة المشروع الاستعماري، حيث “تحول المستشرق إلى أنثروبولوجي ميداني هدفه دراسة الشعوب الأخرى المغايرة للمركز الأوروبي”.
*ثالثاً: مالينوفسكي ونقد الممارسة الأنثروبولوجية*
لم تقتصر الانتقادات على الأنثروبولوجيا كمنهج، بل طالت ممارسات روادها أنفسهم. فقد ورد في مصادر متعددة أن برونيسلاف مالينوفسكي، أحد أبرز مؤسسي الأنثروبولوجيا الاجتماعية، اعترف بسلوكيات إشكالية أثناء عمله الميداني، حيث كان “مغرماً باتخاذ الخليلات وابتذالهن بالمال مقابل أن ينال منهم وطره وذلك بزعمه أنه كان يدرسهم دراسة علمية بحته”. هذا الاعتراف – مهما كان موضع جدل – يفضح كيف يمكن للتحيزات الشخصية والمواقف الاستعمارية أن تتسلل إلى ما يُقدم على أنه “بحث علمي محايد”.
*رابعاً: إدوارد سعيد وكشف تحيز الاستشراق*
يُعد إدوارد سعيد واحدًا من أبرز النقاد الذين كشفوا التحيزات الكامنة في الخطاب الاستشراقي. ففي كتابه الشهير “الاستشراق”، يوضح سعيد “كيف أن المعرفة ليست محايدة تمامًا، بل تتشكل عبر علاقات القوة والخلفيات الثقافية واللغوية والسياسية”. وهو يرى أن الاستشراق يمثل “تحيزًا مستمرًا وماكرًا من دول مركز أوروبا تجاه الشعوب العربية الإسلامية”.
بل إن سعيد يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن “المستشرق الحديث في نظر نفسه بطل ينقذ الشرق من مهاوي الغموض والعزلة والغرابة التي كان هو ذاته قد ميزها بشكل صحيح”. هذا الاعتراف النقدي يكشف كيف أن المعرفة الاستشراقية لم تكن مجرد دراسة موضوعية، بل مشروعًا للهيمنة والسيطرة.
*خامساً: “كلود ليفي شتراوس” ونقد المركزية الغربية*
من جهته، اعترف الأنثروبولوجي الفرنسي البارز “كلود ليفي شتراوس” بوجود تحيزات في الخطاب الأنثروبولوجي الغربي. ففي كتابه “العرق والتاريخ” الذي صدر بتكليف من اليونسكو عام 1952، سعى إلى تفكيك المفاهيم العنصرية والتحيزات الثقافية السائدة. وقد اعتبر ليفي شتراوس أن “ظاهرة العنصرية والاستعباد قديمة قدم الإنسان ذاته”، مشيرًا إلى المفارقة عندما تصف الشعوب بعضها البعض بأوصاف دونية.
وفي موقف آخر، اعترف ليفي شتراوس بأن له “معتقدات سياسية، كما هو حال الجميع. ولا يسعني إلا أن تكون لي هذه المعتقدات”، وهو اعتراف صريح بأن الباحث ليس كائنًا محايدًا، بل كائنًا متحيزًا بفطرته وخلفياته.
*سادساً: نقد الذات في الأنثروبولوجيا المعاصرة*
شهدت الأنثروبولوجيا المعاصرة موجة من “النقد الذاتي، حيث تواجه الأنثروبولوجيا إرثها المرتبط بالاستعمار”. ويعترف الباحثون المعاصرون بأن الأنثروبولوجيا “ولدت في مختبرات الاستعمار”، مما يستدعي مراجعة نقدية جذرية لمناهجها ومفاهيمها.
ويشير بعض الباحثين إلى أن “الأنثروبولوجيا قدمت خدمة بالغة الأهمية للاستعمار، وقد كانت على علاقة وطيدة به مدة الحقبة الاستعمارية”. وهذا الاعتراف – وإن كان مؤلمًا – ضروري لفهم حدود هذا العلم وإمكانية تجاوزها.
*العلوم الانسانية الموجهة*
تثبت اعترافات العلماء المذكورين أعلاه أن العلوم الإنسانية – على عكس الصورة المثالية التي تُقدم عنها – ليست معرفة محايدة أو موضوعية بالمعنى المطلق. فهي تحمل في طياتها تحيزات ثقافية، وسياسية، واستعمارية، وأيديولوجية، تعكس سياق نشأتها وتطورها. وهذا الإقرار بالتحيز – كما يرى جلال أمين والمسيري – ليس عيبًا يجب التستر عليه، بل “أول خطوة لتجاوزه”، وشرط أساسي لتطوير علوم إنسانية أكثر إنصافًا ووعيًا بحدودها وإمكاناتها.
إن الوعي بهذه “الشوائب غير العلمية” يشكل – في النهاية – بداية الطريق نحو علم إنساني أكثر موضوعية حيث نسميه *”العلوم الإنسانية الاسلامية”*، ليس بإنكار التحيز، بل بالاعتراف به والعمل على كشف آلياته وتحييد أثرها قدر الإمكان.
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
