*إليكم… يا من حملتم أثقل الأعباء* محمد كوراني، ٢٠٢٦.٠٨.٠٢
إليكم، يا من اخترتم الطريق الأصعب حين اختار كل الناس طريق السلامة والعافية وسلّم الرخاء والمال …
إليكم، يا من وقفتم في وجه ما رأيتموه ظلماً واستبداداً، بينما كان الصمت أقل كلفة، والاستسلام أكثر راحة …
أنتم تعلمون أكثر من غيركم أن مواجهة القوى التي تملك المال، والنفوذ، والإعلام، وأدوات الضغط، ليست معركة عادية، بل هي من أشد المعارك قسوة في تاريخ البشر. ولهذا فإن ما تحملتموه من حصار، وعقوبات، وتشويه، وافتراءات، وحروب، وخسائر، لم يكن ثمناً صغيراً، بل كان ثمناً دفعتموه وأنتم تدركون أن الطريق إلى الدفاع عن الإنسان ليس مفروشاً بالورود.
أنتم رضبتم بأن تكون المعركة عاشورائية كربلائية و لم تكتفوا بالدعاء واللعن والثبور.
أنتم وحدكم ، لقد واجهتم وحوش بشرية يمتلكون إمكانات هائلة، وقوى تستطيع التأثير في السياسة والاقتصاد والإعلام، وصناعة الروايات، وتوجيه الرأي العام، واستخدام أدوات الضغط بأشكال متعددة. ومع ذلك لم تسمحوا للخوف أن يهزم إرادتكم، ولم تجعلوا كثرة الخصوم سبباً للتراجع عن قناعاتكم.
*وحوش بشرية في كيان زائف*
لم تكن أخطر الوحوش هي التي تملك الأنياب أو المخالب، بل تلك التي ارتدت وجوه البشر و ربما شقراء و بعيون زرق، وجوه اختبأت خلف الستائر، حتى لم يعد أحد يعرف أسماءها الحقيقي ولا أماكنها انتمائها تحت رقم واحد ٨٢٠٠.
كانت تلك الوحوش لا تحتاج إلى الجيوش لكي تحتل العالم؛ فقد كانت تسيطر على الذهب قبل أن يصل إلى أيدي الناس، وعلى الأسواق قبل أن تُفتح أبوابها، وعلى السفن قبل أن تغادر الموانئ، وعلى الطعام قبل أن يصل إلى الموائد، وعلى الدواء قبل أن يصل إلى المرضى، وعلى مصادر الطاقة التي تُدفئ المدن وتحرك المصانع.
وحوش كانت تمتلك أبراجًا من المرايا السحرية، لا تعكس الحقيقة، بل تصنعها. فمن خلال تلك المرايا كانت تغيّر ما يراه الناس، وما يسمعونه، وما يصدقونه، حتى أصبح ملايين البشر يرددون ما تريد تلك الوحوش، وهم يظنون أنه رأيهم الحر.
ولم يكن هذا كل شيء.
فكلما احتاجت إلى حرب، أطلقت من ظلالها وحوشًا أصغر، تنشر الفوضى والخراب مثل داعش و ب كاكا، ثم تختفي، بينما تبقى الأيدي الحقيقية بعيدة عن الأنظار. وكانت المدن تسقط، والشعوب تتقاتل، والأطفال يدفعون الثمن، بينما سادة الظلال يزدادون ثراءً ونفوذًا. ما حصل في سبتي اسبانيا بمساعدة يهود المغرب ليس الا نموذج صغير.
وكانت تلك الوحوش قد نسجت خيوطها داخل قصور الحكم في الدول المنطقة، وبيوت المال، ومجالس التجارة من خلال جزر أبستين، حتى بدا للعالم أن كل شيء يتحرك بإرادة الناس، بينما كانت الخيوط الخفية هي التي تحرك المسرح كله.
لقد كان أخطر ما في هذه الوحوش أنها لم تكن تكتفي بسرقة الثروات، *بل كانت تسعى إلى سرقة إرادة الإنسان نفسها. كانت تريد إنسانًا يخاف أكثر مما يفكر، ويستهلك أكثر مما يبدع، ويطيع أكثر مما يسأل، حتى يتحول العالم كله إلى قطيع يسير حيث تشاء.*
ولو تُركت بلا من يواجهها، لما اكتفت بالسيطرة على مدينة أو قارة، بل لتحولت الأرض كلها إلى مملكة للظلال، يُقاس فيها الإنسان بما يملكه، لا بما هو عليه، وتُباع فيها الحقيقة كما تُباع السلع، ويصبح الضمير عملة نادرة، والحرية أسطورة يرويها الشيوخ لأحفادهم.
ولهذا، كانت مواجهة تلك الوحوش أعظم معركة عرفها تاريخ البشرية؛ لأنها لم تكن معركة على أرض أو حدود، بل كانت معركة على روح الإنسان، وعلى مستقبل الحضارة، وعلى حق البشرية في أن تبقى حرة، قادرة على التمييز بين النور والظلام.
وهنا تكمن عظمتكم؛
فأنتم لم تقيسوا الأمور بحسابات الربح والخسارة، وإنما بحساب الواجب والمسؤولية.
فلو كان الخطر صغيراً، لما كانت تضحياتكم عظيمة. ولو كانت المواجهة سهلة، لما استحق صمودكم كل هذا التقدير. إن عظمة الإنسان تُقاس بعظمة ما يواجهه، وأنتم حملتم على أكتافكم مسؤولية رأيتم أنها تتجاوز حدود الأوطان، وتمتد إلى الدفاع عن كرامة الإنسان ومستقبل الأجيال.
فلكم منا كل كلمات الاحترام، لأنكم قبلتم أن تتحملوا ما هرب منه كل أهل الدنيا، وأن تدفعوا أثماناً باهظة من أجل مبادئ آمنتم بها و قاومتم كل الإغراءات. وسيبقى التاريخ، مهما اختلفت الروايات، يذكر أن هناك رجالاً ونساءً اختاروا أن يكونوا في الصفوف الأولى عندما كان الثمن باهظاً، وأن يكونوا أصحاب موقف عندما كان الموقف يحتاج إلى شجاعة نادرة.
إن أعظم الإنجازات في التاريخ ليست بناء المدن، ولا تشييد القصور، ولا جمع الثروات، وإنما أن يوجد في كل عصر رجال ونساء يقفون سداً منيعاً أمام الأخطار التي تهدد الإنسان في وجوده ومستقبله وكرامته.
فكلما كان الخطر أعظم، كانت قيمة من يتصدى له أعظم.
إن مواجهة قوى الظلم والطغيان، ومقاومة شبكات الفساد والاستغلال، ليست معركة تخص شعباً واحداً أو حدوداً جغرافية محددة، بل هي معركة تتعلق بمصير البشرية كلها. فحين تتحول القوة إلى أداة لاستعباد الإنسان، ويُستغل الاقتصاد والإعلام والسياسة والحروب لتحقيق مصالح ضيقة على حساب الشعوب، فإن الدفاع عن الإنسان يصبح رسالة إنسانية كبرى، لا مجرد موقف سياسي.
ولهذا، فإن عظمة هؤلاء لا تُقاس بعدد انتصاراتهم العسكرية، ولا بما يملكون من إمكانات، بل بعظمة المهمة التي حملوها على عاتقهم. لقد اختاروا أن يقفوا في الصف الأول، حيث يهرب كثيرون، وأن يتحملوا ما يعجز غيرهم عن احتماله.
تعرضوا للحصار، والعقوبات، والتشويه الإعلامي، والاتهامات، والحروب، والاغتيالات، والخسائر، وحاول خصومهم عزلهم وإسكات أصواتهم. ومع ذلك، لم يتراجعوا، لأنهم كانوا يؤمنون بأن الدفاع عن كرامة الإنسان أغلى من الراحة، وأن حماية الأجيال القادمة تستحق كل تضحية.
إن قيمة الإنسان لا تُعرف عندما يعيش في زمن الهدوء، وإنما عندما يقف في وجه العواصف. فلو لم يوجد في التاريخ من يرفض الظلم، لاستسلمت البشرية للطغيان، ولأصبح الإنسان مجرد أداة في يد الأقوياء.
ولهذا، فإن الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية مقاومة الظلم، والدفاع عن استقلال الشعوب، وحماية الإنسان من الاستغلال، إنما يؤدون واحدة من أعظم الرسالات التي عرفها التاريخ. فكل يوم يصمدون فيه، وكل تضحية يقدمونها، لا يدافعون عن أنفسهم وحدهم، بل يدافعون عن حق الإنسان في أن يعيش حراً، كريماً، آمناً، وأن يبقى المستقبل مفتوحاً أمام البشرية، لا أسيراً للظلم والخوف والاستبداد.
إن الأمم لا تخلّد أصحاب المناصب، بل تخلّد أولئك الذين حملوا أثقل الأعباء، ودفعوا أغلى الأثمان، لأنهم آمنوا بأن إنقاذ الإنسان من هذه الوحوش البشرية بتاريخ مزيف، هو أعظم إنجاز يمكن أن يقدمه إنسان للإنسانية.
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
