*انحرافات العلوم الإنسانية في الغرب: من تلويث العقل إلى فوضى التكنولوجيا* محمد كوراني، – يشهد العالم اليوم أزمة عميقة في علاقة العلوم الإنسانية بالعلوم التجريبية والتكنولوجيا، أزمتها جذورها في تحولات معرفية ومنهجية شهدها الغرب خلال القرون الماضية. لم تقتصر هذه الأزمة على تهميش الدور النقدي والتأملي للعلوم الإنسانية، بل تجاوزتها إلى تشويه طبيعة المعرفة العلمية ذاتها، وإنتاج فوضى تكنولوجية تنعكس في سوء استخدام مفرط للتقنيات الحديثة. هذا المقال يسعى إلى استكشاف هذه الإشكالية بعمق، مبرزاً كيف أن الانحرافات في الفكر الإنساني الغربي قد أدت إلى نتائج كارثية تمتد من تلويث العقل والمنطق إلى إساءة توظيف العلم والتكنولوجيا في سياقات تهدد الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية.
جذور الأزمة: الاستعلاء العلمي وإقصاء المعرفة الإنسانية
يمكن تتبع أصول هذه الفوضى الفكرية إلى ما يُعرف بـ”العلموية” (Scientism)، وهي قناعة فلسفية بالتفوق المعرفي للعلم، وحقه في فرض مناهجه على حقول العلوم الإنسانية. هذا التوجه لم يكتفِ بتهميش العلوم الإنسانية، بل عمل على تشويه دورها النقدي والتأملي، محولاً إياها إما إلى مجرد أدوات مساعدة للعلم، أو إلى حقول هامشية لا قيمة معرفية حقيقية لها.
هذا الاستعلاء العلمي قاد إلى “تجزئة المعرفة” (Fragmentation of knowledge)، حيث أصبحت التخصصات العلمية منعزلة عن بعضها البعض، وعن الأسئلة الفلسفية والأخلاقية الكبرى. النتيجة كانت نشوء فجوة عميقة بين “صورة العلم” و”صورة الإنسان”، حيث بات التقدم التكنولوجي يسير بمعزل عن التساؤلات المتعلقة بالغاية والمعنى والقيمة.
وقد تجلى هذا الانفصال بوضوح في السياسات التعليمية الأوروبية التي أولت أولوية متزايدة للعلوم التقنية على حساب العلوم الإنسانية، مدفوعة بمنطق اقتصادي وتوظيفي بحت. هذا التوجه أدى إلى تخريج أجيال من العلماء والتقنيين يفتقرون إلى الأدوات النقدية والفلسفية اللازمة لفهم الآثار الاجتماعية والأخلاقية لعملهم.
من الاستعمار المعرفي إلى العواقب التكنولوجية
لم تقتصر العواقب على المستوى النظري فقط، بل امتدت إلى الممارسة التكنولوجية الفعلية. فالعلوم الإنسانية التي كانت تفترض أن تكون رادعاً أخلاقياً ومرشداً نقدياً للتقدم التقني، أصبحت هي نفسها خاضعة لمنطق العلموية، مما أدى إلى ما يمكن وصفه بـ”فوضى تكنولوجية” معولمة.
1. تسليع المراقبة وانتهاك الخصوصية
من أبرز مظاهر هذه الفوضى: الانتشار الهائل لأنظمة المراقبة بالذكاء الاصطناعي، دون ضوابط أخلاقية أو قانونية كافية. ففي أستراليا، أثار تجريب نظام للتعرف على الوجوه في الأماكن العامة جدلاً واسعاً حول انتهاك الحريات الشخصية، حيث قام النظام بمسح وجوه أكثر من 130 ألف شخص في أسبوع واحد فقط، مع تسجيل حالات إنذار خاطئ. هذا الاستخدام يتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة، ليصبح أداة لتعقب المهاجرين غير الشرعيين، وهو ما انتقده مسؤولون سابقون بوصفه إساءة استخدام للتكنولوجيا.
أما في الولايات المتحدة، فقد تحول نظام Flock Safety للتعرف على لوحات السيارات إلى شبكة مراقبة واسعة تضم أكثر من 83 ألف كاميرا، تستخدم لاستهداف النساء الباحثات عن رعاية صحية إنجابية والمهاجرين، متجاوزة القوانين المحلية التي تحظر مثل هذا التوصيف. هذا النظام يعمل كشبكة تواصلية تنقل ثقافات شرطية يمينية متطرفة عبر الولايات القضائية، محولاً التنقل إلى ضعف يمكن استغلاله.
2. تصدير المراقبة كأداة للهيمنة
تجاوزت فوضى التكنولوجيا الحدود الوطنية، لتصبح أداة للهيمنة الجيوسياسية. فالاتحاد الأوروبي، من خلال استراتيجية “إخضاع الحدود” (Border Externalisation)، يقوم بتصدير تقنيات المراقبة والأنظمة الحيوية إلى دول الجوار، خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كجزء من إدارة الهجرة. هذه التقنيات، التي تشمل قواعد البيانات الحيوية وأنظمة الطائرات بدون طيار، لا تستخدم فقط لتتبع المهاجرين، بل تُوظف أيضاً لقمع الاحتجاجات الشعبية والتجسس على الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان.
والأكثر خطورة هو أن هذه السياسات تنفذ بدعم من شركات خاصة، مما يعقد مساءلة أي جهة عن انتهاكات حقوق الإنسان، ويساهم في بناء “بنية تحتية للردع” تهدد حق اللجوء وحرية التنقل.
3. الانعكاسات على النزاعات والحروب
يمكن القول إن هذه الفوضى التكنولوجية تساهم في تغذية النزاعات، حيث أصبحت التقنيات المتطورة سلعة تُصدّر إلى مناطق الصراع دون اعتبار للعواقب الإنسانية، مما يكرس دوائر العنف وعدم الاستقرار.
نحو استعادة التوازن: ضرورة النقد التأملي
إن الأزمة التي يعيشها العالم اليوم ليست أزمة علم أو تكنولوجيا في جوهرها، بل هي أزمة في العلاقة بين المعرفة والقيمة، بين العلم والإنسانية. لقد أدى الانفصال بين العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية إلى فقدان البوصلة الأخلاقية للتقدم التقني.
إن استعادة التوازن تتطلب تجاوز الانقسامات المعرفية، والعمل على مقاربة “متعددة التخصصات” و”عابرة للتخصصات” (Transdisciplinary) تعيد الاعتبار للأسئلة الفلسفية والتأملية في صلب الممارسة العلمية. هذا لا يعني رفض العلم أو التكنولوجيا، بل وضعهما في سياقهما الإنساني والاجتماعي والأخلاقي.
كما تتطلب مواجهة هذه الفوضى آليات رقابة فعالة، مثل تقييمات الأثر الحقوقي وحماية البيانات، التي تظل غائبة في كثير من المشاريع التقنية الكبرى، خاصة تلك الممولة من الاتحاد الأوروبي.
خاتمة
إن الانحرافات التي أصابت العلوم الإنسانية في الغرب لم تكن مجرد أزمة أكاديمية، بل تحولت إلى كارثة إنسانية وتكنولوجية. فبغياب النقد التأملي والأسئلة الأخلاقية، تحولت التكنولوجيا من أداة لتحسين حياة البشر إلى آلة للرقابة والتمييز والهيمنة. إن إعادة بناء جسور الثقة بين العلم والإنسانية، واستعادة دور العلوم الإنسانية كرقيب نقدي ومرشد أخلاقي، ليس خياراً أكاديمياً، بل ضرورة وجودية لمستقبل البشرية.
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
