*بين الربا المالي واحتكار المعرفة: هل تتحول بعض الشروط الأكاديمية إلى قيود على العلم ؟* محمد كوراني ، لقد شدد الإسلام تشديدًا كبيرًا على تحريم الربا، ليس لأنه مجرد معاملة مالية محرمة، بل لأنه يمثل وسيلة لاحتكار الثروة وإخضاع الإنسان لهيمنة أصحاب المال. فالربا يؤدي إلى تراكم القوة الاقتصادية في أيدي فئة محدودة، ويمنع التداول العادل للمال بين الناس.
وقد وردت روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) تؤكد خطورة الربا، منها: قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):
*«درهم ربا أشد عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم.»*
وروي عنه (عليه السلام):
*«إنما حرم الله الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف.»*
وروي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «أخبث المكاسب كسب الربا.» وتوضح هذه الروايات أن الربا ليس مجرد مخالفة شرعية، بل نظام يمنع الخير من الانتشار، ويحول المال إلى أداة للسيطرة بدلاً من أن يكون وسيلة للعمران.
وإذا كان الإسلام قد حارب احتكار المال، فمن المشروع أن نتساءل: هل توجد في العصر الحديث أشكال أخرى من الاحتكار، لا تتعلق بالأموال بل بالمعرفة؟
*ففي البيئات الأكاديمية الغربية المشهورة عالميا، يلاحظ الباحثون أن قبول النظريات الجديدة قد يرتبط أحيانًا بشروط مؤسسية صارمة،* مثل متطلبات النشر في مجلات محددة، أو الالتزام بمناهج ومدارس فكرية معينة، أو اشتراط المرور عبر شبكات مراجعة وتحكيم قد تؤثر في سرعة انتشار بعض الأفكار. هذه الشروط وُضعت في الأصل لضمان الجودة العلمية، لكنها قد تتحول إلى عوائق أمام انتشار بعض الرؤى الجديدة، إذا استُخدمت بطريقة غير منفتحة.
وبذلك تصبح بعض المعايير العلمية حبيسة دوائر أكاديمية محدودة، *فالعلوم والمعارف الحقة في الشرق لا تصل بسهولة إلى جامعات المشهورة ولا يقام من أجلهم ندوات ومؤتمرات وجوائز وميزانيات و دعم ومختبرات أو الباحثين الذين لا يملكون الإمكانات المالية أو المؤسسية نفسها، لا يمكنهم طرح نظرياتهم.*
وهنا يظهر تشبيه فكري لا حكمًا شرعيًا؛ فكما يؤدي الربا إلى احتكار الثروة ومنع تداولها بحرية وعدالة، فإن الإفراط في القيود المؤسسية قد يؤدي إلى احتكار المعرفة وحصرها داخل مؤسسات معينة. فالنتيجة في الحالتين هي إبطاء وصول مورد مهم إلى المجتمع: المال في الأولى، والمعرفة في الثانية.
ولا يعني ذلك أن جميع معايير النشر الأكاديمي خاطئة، فبعضها يؤدي دورًا مهمًا في حماية جودة البحث العلمي. لكن الإشكال يظهر عندما تتحول المعايير من أدوات لتقييم الجودة إلى أدوات لإقصاء المدارس الفكرية الجديدة أو تأخير انتشارها.
إن الحضارة الإنسانية تتقدم عندما تتنافس الأفكار بحرية وفق قوة الدليل والبرهان، لا وفق قوة النفوذ المؤسسي أو القدرة المالية أو الشهرة الأكاديمية. وكلما اتسعت مساحة الحوار العلمي المفتوح، ازدادت فرص ظهور نظريات قد تسهم في حل مشكلات البشرية.
ولهذا فإن العالم بحاجة إلى بيئة علمية أكثر انفتاحًا، تسمح بتداول المعرفة بين جميع الجامعات، في الشرق والغرب، وبين الدول المتقدمة والنامية، بحيث يكون الفيصل هو قوة الحجة والمنهج العلمي، لا المكان الذي وُلدت فيه الفكرة أو المؤسسة التي تبنتها.
*العلوم الإنسانية الإسلامية… مناخ حضاري يحفظ العلم في دائرة العقل والفطرة*
إن من أبرز ما يميز مشروع العلوم الإنسانية الإسلامية، كما يطرحه عدد من الباحثين والمفكرين، أنه يسعى إلى بناء بيئة معرفية تجعل العلم خادمًا للإنسان، لا وسيلة للهيمنة عليه، وتربط البحث العلمي بالقيم الأخلاقية إلى جانب المنهج العقلي والتجريبي.
وتقوم هذه الرؤية على أن الإسلام لا ينظر إلى العقل والفطرة والوحي بوصفها مصادر متناقضة، بل يعتبرها مصادر متكاملة في بناء المعرفة. فالعقل أداة للاكتشاف، والفطرة معيار ينسجم مع الطبيعة الإنسانية، والوحي مرجع أخلاقي يوجه بوصلة الإنسان نحو الخير والعدل.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى المجتمع الإسلامي بوصفه بيئة تشجع الحوار العلمي، واحترام البرهان، والانفتاح على المعرفة النافعة أينما وُجدت، مع الحفاظ على الضوابط الأخلاقية التي تمنع توظيف العلم في الظلم أو الاستغلال أو إفساد الإنسان.
كما أن الدولة التي تتبنى هذه الرؤية، بحسب أنصارها، لا تجعل معيار نجاح العلوم هو الربح الاقتصادي أو النفوذ السياسي فحسب، بل تجعل معيارها أيضًا خدمة الإنسان، وصيانة الأسرة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية الكرامة الإنسانية. وبهذا يصبح العلم وسيلة لبناء الحضارة، لا أداة لفرض أنماط فكرية أو ثقافية على الشعوب.
أما الحضارة الإسلامية المنشودة، فهي حضارة تسعى إلى أن يبقى العلم في دائرة العقل والمنطق والفطرة والحقيقة، وأن تكون النظريات العلمية قابلة للنقد والمراجعة والتطوير وفق الدليل، بعيدًا عن التعصب أو المصالح الضيقة أو الضغوط غير العلمية. فكل فكرة تُقبل أو تُرفض بقدر ما تملكه من قوة في البرهان، لا بقدر ما يحيط بها من نفوذ أو شهرة.
ومن هنا، فإن مشروع العلوم الإنسانية الإسلامية يمثل – في نظر مؤيديه – محاولة لإحياء رسالة العلم بوصفه بحثًا صادقًا عن الحقيقة، وإعادة التوازن بين التقدم العلمي والقيم الأخلاقية، حتى يبقى الإنسان هو الغاية من الحضارة، لا مجرد وسيلة في خدمة المال أو السلطة أو التكنولوجيا.
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
