*كربلاء… تتحدى النظريات العلمية*

*كربلاء… تتحدى النظريات العلمية* مهدي كوراني، ٢٠٢٦.٠٧.١٥

في كل يوم يولد على شبكات التواصل آلاف “الترندات”، وتنتشر ملايين المقاطع القصيرة، ثم تختفي بعد ساعات أو أيام، حتى إن الإنسان نفسه ينسى كثيراً مما شاهده قبل أسبوع. لقد دخل العالم عصر “الريلز” و”الذاكرة القصيرة”، *حيث أصبحت المنافسة على انتباه الإنسان هي الأصعب في تاريخ البشرية.*

 

وتؤكد معظم النظريات العلمية في علم النفس والإعلام والعلوم المعرفية أن الأحداث والأفكار، مهما كانت مؤثرة، تضعف بمرور الزمن، وتتراجع أمام زخم المعلومات الجديدة، وتفقد قدرتها على إثارة المشاعر مع كثرة التكرار. فـ”منحنى النسيان” لإبينغهاوس يتوقع تلاشي الذكريات، ونظرية تلاشي الذاكرة ترى أن أثر الأحداث يضعف مع الزمن، ونظرية التداخل تؤكد أن الذكريات الجديدة تزاحم القديمة حتى تطمسها، بينما يقرر علم الإعلام أن دورة الأخبار قصيرة، وأن اهتمام الناس ينتقل باستمرار إلى الحدث التالي. أما اقتصاد الانتباه فيشرح كيف أصبحت عقول البشر اليوم محاصرة بملايين الرسائل المتنافسة، حتى صار الاحتفاظ باهتمام الناس سنوات قليلة إنجازاً استثنائياً، فكيف بقرون طويلة؟

 

ومع ذلك، يقف التاريخ أمام ظاهرة لا تزال تثير الدهشة.

 

فقد مرَّ على واقعة كربلاء أكثر من ثلاثة عشر قرناً، وتعاقبت إمبراطوريات، وسقطت دول، واندثرت حضارات، ووقعت آلاف الحروب والثورات، واختفت أسماء كان يظن أصحابها أنها ستبقى إلى الأبد. لكن اسم الحسين بن علي (عليه السلام) لم يختفِ، ولم تضعف ذكراه، ولم تتحول عاشوراء إلى صفحة من صفحات التاريخ، بل بقيت حاضرة في وجدان ملايين البشر، تُحييها الأجيال جيلاً بعد جيل، وكأنها وقعت بالأمس.

 

بل إن المفارقة الكبرى أن التكرار الذي يفترض علم النفس أنه يُضعف التأثر، أصبح في عاشوراء يزيدها حضوراً. فكلما تكررت المجالس، وتجددت الذكرى، عاد التأثر، وربما ازداد عمقاً. وكلما تقدم الزمن، اتسعت رقعة إحياء كربلاء، وانتقلت إلى شعوب ولغات وثقافات جديدة.

 

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل نحن أمام حدث تاريخي عادي، أم أمام ظاهرة تتجاوز التفسيرات المألوفة؟

 

إن العلوم الإنسانية تقدم تفسيرات مهمة لكيفية انتقال الذكريات والرموز بين الأجيال، لكنها لا تدّعي أنها تفسر كل ظاهرة تفسيراً كاملاً. ولذلك، فإن المؤمن يرى في استمرار حرارة كربلاء، رغم كل قوانين النسيان والتغير الاجتماعي، تجلياً لوعدٍ نبوي عظيم.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنَّ لِقَتْلِ الحسينِ حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً.»

 

إن هذه الكلمات لم تكن، في نظر المؤمنين، مجرد وصفٍ عاطفي، بل إخبارٌ عن حقيقة ستكشفها القرون. فقد تغيرت وسائل الإعلام، وتبدلت اللغات، وتغيرت أنماط الحياة، وانتقل العالم من الورق إلى الشاشة، ومن الكتاب إلى الهاتف، ومن المحاضرات الطويلة إلى المقاطع التي لا تتجاوز ثوانٍ معدودة، ومع ذلك بقيت حرارة الحسين (عليه السلام) حاضرة، وكأن الزمن نفسه يعجز عن إطفائها.

 

ومن هنا، فإن مسؤولية كل مؤمن لا تقتصر على البكاء على الحسين (عليه السلام)، بل تمتد إلى حمل رسالته، وتعريف العالم بمبادئه، وإحياء قيمه في العدالة والكرامة والحرية والإصلاح. فإذا كان الله سبحانه قد حفظ ذكر الحسين عبر القرون، فإن الواجب أن يكون كل جيل حلقة جديدة في استمرار هذا النور.

 

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المحتوى السريع الذي يُنسى بعد دقائق، بل يحتاج إلى القيم التي تبقى، وإلى النماذج التي تصنع الإنسان، وإلى الرسائل التي تتجاوز حدود الزمان والمكان.

 

وكربلاء أثبتت، في وجدان المؤمنين، أنها ليست مجرد ذكرى، بل مدرسة، وليست مجرد مأساة، بل مشروع هداية، وليست مجرد حادثة في التاريخ، بل حقيقة متجددة تتحدى الزمن، حتى غدت مثالاً فريداً يرى فيه المؤمنون مصداق قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله):

 

«إنَّ لِقَتْلِ الحسينِ حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً.»

 

العلوم الإنسانية الإسلامية

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة

#Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

*إليكم… يا من حملتم أثقل…

*إليكم… يا من حملتم أثقل الأعباء* محمد كوراني، ٢٠٢٦.٠٨.٠٢ إليكم، يا من…

هل الثراء يدل على رجحان…

هل الثراء يدل على رجحان العقل، – مهدي كوراني، ٢٠٢٦.٠٧.٢٩ “عندما ننظر…

*نقد النظريات العولمة في رسم…

*نقد النظريات العولمة في رسم النظام العالمي بعد عام 2030* محمد كوراني…

مقالات إضافية

*إليكم… يا من حملتم أثقل…

*إليكم… يا من حملتم أثقل الأعباء* محمد كوراني، ٢٠٢٦.٠٨.٠٢ إليكم، يا من…

هل الثراء يدل على رجحان…

هل الثراء يدل على رجحان العقل، – مهدي كوراني، ٢٠٢٦.٠٧.٢٩ “عندما ننظر…

*نقد النظريات العولمة في رسم…

*نقد النظريات العولمة في رسم النظام العالمي بعد عام 2030* محمد كوراني…