*نقد النظريات العولمة في رسم النظام العالمي بعد عام 2030* محمد كوراني – أن المواجهة العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة ضد إيران، بإيعاز وتحفيز سياسي و امني و ابستيني من إسرائيل، لم تكن مجرد أزمة إقليمية، بل مثّلت اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها القيادي في النظام الدولي. وأن هذه الحرب وما رافقها من تداعيات سياسية واقتصادية واستراتيجية أسهمت في إضعاف صورة القيادة الأمريكية لدى عدد من الدول، وعززت التوجه نحو نظام دولي أكثر تعددية. ومن هذا المنظور، أصبحت قدرة الولايات المتحدة على قيادة مشاريع العولمة وإعادة تشكيل النظام العالمي تواجه تحديات أكبر، الأمر الذي فتح الباب أمام مراجعة كثير من الافتراضات التي بُنيت عليها تصورات العولمة خلال العقود الماضية.
شهد العالم منذ تسعينيات القرن العشرين توسعاً غير مسبوق في العولمة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية، مدعوماً بتحرير التجارة، وتدفق رؤوس الأموال، وتطور الإنترنت، وتعاظم دور المؤسسات الدولية والشركات متعددة الجنسيات. وفي العقدين الأخيرين برزت رؤى استراتيجية طويلة المدى، من بينها أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، وخطط التحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والذكاء الاصطناعي، بوصفها تصورات لمستقبل النظام العالمي.
غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تحديات كبيرة دفعت عدداً متزايداً من الباحثين إلى إعادة تقييم الافتراضات التي بُنيت عليها تلك الرؤى. وقد جاءت الأزمات المالية، وجائحة كوفيد-19، وتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والحروب الإقليمية، واضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد، لتؤكد أن العالم أكثر تعقيداً مما افترضته بعض نماذج العولمة.
*أولاً: وهم “نهاية الدولة القومية”*
اعتقد عدد من منظّري العولمة أن الدولة القومية ستتراجع تدريجياً أمام الأسواق العالمية، والمؤسسات الدولية، والشركات العابرة للحدود.
إلا أن المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية ترى أن الدولة بقيت الفاعل الأساسي في السياسة العالمية، وأن الأزمات الكبرى أعادت الاعتبار إلى السيادة الوطنية، حيث لجأت الدول إلى إغلاق الحدود، وتقييد الصادرات، ودعم الصناعات المحلية، وتعزيز الإنفاق الدفاعي.
ومن ثم فإن الاعتقاد بأن الأسواق ستحل محل الدولة ثبت أنه افتراض مبالغ فيه.
*ثانياً: المبالغة في قدرة السوق الحرة على تنظيم العالم*
انتقد عدد من الاقتصاديين، ومنهم جوزيف ستيغليتز، الاعتقاد بأن تحرير الأسواق وحده يكفي لتحقيق التنمية والعدالة.
وتشير هذه الانتقادات إلى أن الأسواق قد تحقق نمواً اقتصادياً، لكنها لا تضمن بالضرورة توزيعاً عادلاً للدخل أو فرصاً متكافئة، كما قد تؤدي إلى احتكارات، واختلالات مالية، وتفاوتات اجتماعية إذا غابت الأطر التنظيمية.
*ثالثاً: تجاهل “المعضلة السياسية للعولمة”*
طرح داني رودريك ما يعرف بـ”المعضلة الثلاثية”، ومفادها أن الجمع الكامل بين الديمقراطية الوطنية، والسيادة الوطنية، والعولمة الاقتصادية العميقة أمر بالغ الصعوبة؛ إذ إن تعزيز أحد هذه الأبعاد قد يفرض قيوداً على البعدين الآخرين.
وقد استُخدمت هذه الفكرة لتفسير تصاعد الحركات الشعبوية والاحتجاجات ضد بعض سياسات العولمة في دول متعددة.
*رابعاً: التقليل من شأن الهوية الحضارية*
توقع بعض المنظرين أن يؤدي الاندماج الاقتصادي إلى تقارب ثقافي واسع، إلا أن تطورات العقود الأخيرة أظهرت استمرار تأثير الدين واللغة والتاريخ والهوية الوطنية في تشكيل السياسات والتحالفات.
لذلك يرى باحثون أن الثقافة ليست متغيراً ثانوياً يمكن تجاوزه بمجرد التكامل الاقتصادي.
*خامساً: الافتراض بأن الترابط الاقتصادي يمنع الحروب*
استندت بعض الرؤى الليبرالية إلى أن تشابك المصالح الاقتصادية يقلل احتمالات الصراع.
لكن الأزمات الدولية الحديثة أظهرت أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل قد يتحول أيضاً إلى أداة للضغط عبر العقوبات، والقيود التجارية، والتحكم بالتقنيات والمواد الخام والطاقة.
وبذلك أصبح “الاعتماد المتبادل” مصدراً للتعاون أحياناً، وللتنافس أحياناً أخرى.
*سادساً: هشاشة سلاسل الإمداد العالمية*
كشفت جائحة كوفيد-19، ثم الاضطرابات الجيوسياسية، عن محدودية نموذج الإنتاج شديد الاعتماد على سلاسل توريد ممتدة عبر العالم.
ولذلك اتجهت دول عديدة إلى إعادة توطين بعض الصناعات، وتنويع الموردين، وبناء احتياطيات استراتيجية، وهو ما يشير إلى تراجع نموذج “الكفاءة القصوى” لصالح “المرونة الاستراتيجية”.
*سابعاً: تركّز الثروة والقوة الاقتصادية*
يرى عدد من الباحثين أن العولمة الرقمية أسهمت في بروز شركات تقنية عملاقة تمتلك تأثيراً واسعاً في الاقتصاد والإعلام والبيانات.
وتثير هذه الظاهرة نقاشات حول:
المنافسة العادلة.
الاحتكار.
حماية البيانات.
سيادة الدول على الفضاء الرقمي.
*ثامناً: المبالغة في التفاؤل بالذكاء الاصطناعي*
ينظر كثير من الباحثين إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً للنمو، إلا أنهم يحذرون في الوقت نفسه من تحدياته، ومنها:
فقدان بعض الوظائف.
اتساع فجوة المهارات.
التحيز الخوارزمي.
الاستخدام العسكري.
التضليل الإعلامي.
الحاجة إلى أطر قانونية وأخلاقية.
*تاسعاً: محدودية المؤسسات الدولية*
تعرضت المؤسسات الدولية لانتقادات تتعلق ببطء اتخاذ القرار، واختلاف مصالح الدول الأعضاء، وصعوبة تنفيذ القرارات في ظل التنافس بين القوى الكبرى، مما عزز الاتجاه نحو التحالفات الإقليمية والترتيبات الثنائية.
*عاشراً: التحول من العولمة إلى “إزالة المخاطر”*
في السنوات الأخيرة برز مفهوم “إزالة المخاطر” (De-risking)، الذي يركز على تقليل الاعتماد المفرط على مورد أو دولة واحدة في القطاعات الحيوية، بدلاً من الانفتاح الاقتصادي غير المقيد.
ويعكس هذا التحول مراجعة عملية لبعض افتراضات العولمة التقليدية.
*الحادي عشر: حدود التنبؤ طويل الأمد*
تعتمد الخطط الممتدة إلى عام 2030 وما بعده على افتراضات تتعلق بالنمو، والتكنولوجيا، والاستقرار السياسي.
إلا أن التاريخ يبين أن الأحداث غير المتوقعة ــ مثل الجوائح، والأزمات المالية، والحروب، والاختراقات التقنية ــ يمكن أن تعيد تشكيل الأولويات بسرعة، وهو ما يجعل التخطيط المرن أكثر واقعية من التخطيط الجامد.
الحرب مع ايران والعولمة
لقد شكّلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مادةً إضافية للنقاش الأكاديمي حول حدود بعض افتراضات العولمة. فمن منظور عدد من الباحثين، أظهرت هذه التطورات أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل، واتساع الأسواق العالمية، والتكامل الدولي، لم يؤدِّ بالضرورة إلى تقليص التنافس الجيوسياسي أو منع احتمالات الصراع بين الدول. كما أعادت هذه الأحداث إبراز أهمية الدولة القومية، والأمن الاستراتيجي، والقدرات العسكرية، والسيادة الوطنية بوصفها عناصر ما تزال تؤثر بعمق في بنية النظام الدولي. وعليه، يرى هؤلاء الباحثون أن هذه التطورات لا تُسقط مفهوم العولمة بالكامل، لكنها تكشف عن وجود ثغرات وحدود في بعض نماذجها النظرية التي افترضت أن الترابط الاقتصادي وحده كفيل بإرساء الاستقرار والسلام العالمي.
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
