*”أكبر المعضلات الفكرية لدى البشر، احتيال النفس على العقل”*
محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٩.١٧
مسار مختلف لاجماع النخب في العلوم الإنسانية
لعلّ من أكبر المعضلات العقلية التي واجهت الإنسان عبر التاريخ ليست مشكلة غياب العقل، ولا عجزه عن الاستدلال والاستنتاج بحسب المنطق الارسطي ولا المنطق الاستقرائي ولا الاقناع وقوة الاقتناع، وإنما مشكلة أكثر تعقيدًا: أن النفس تستطيع أن تتحايل على العقل، وأن تستخدم قدرته على التفكير والاستدلال لإنتاج مبررات لما تميل إليه مسبقًا.
فالإنسان قد لا يبدأ من الحقيقة ثم يصل إليها، بل قد يبدأ أحيانًا من رغبة أو خوف أو مصلحة أو هوية أو انفعال، ثم يجعل العقل يبحث عن الأدلة التي تمنح ذلك الميل صورة منطقية وعلمية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي في العلوم الإنسانية ليس فقط في جميع اشكال التعقل والتفكير البشري: كيف نفكّر؟ وإنما أيضًا: كيف نضمن أن الذي يفكّر فينا هو العقل الباحث عن الحقيقة، لا النفس التي تستعمل العقل لتبرير نفسها؟ خاصة عندما ببدأ التشكيك بنظام الخير والشر والمفيد والمضرّ والحق والباطل وبل بكل صخرة يمكن أن يقف عليه البشر بإطمئنان.
وهنا تظهر أهمية العرفان والتصوف الأصيل بوصفه محاولة لبناء رؤية كونية متكاملة تضع الإنسان ضمن منظومة من العوالم والمراتب والظهورات، وتربط المعرفة بتزكية النفس والارتقاء في الإدراك.
الإنسان بين العقل والنفس
العقل في التصور العرفاني ليس مجرد آلة لإنتاج الحجج، والنفس ليست مجرد موضوع نفسي محايد. فالنفس الإنسانية يمكن أن تؤثر في الحكم العقلي من خلال الشهوة والغضب والغرور والخوف والتعلق بالمصلحة وحب السيطرة وحب الظهور والتعصب للهوية، لأن النفس مليئة بكم هائل من الأنانية التي يضمن لها الاستعداد للانتقال من مرحلة الى مرحلة و من عالم الى عالم.
ولهذا يمكن للإنسان أن يكون ذكيًا جدًا، واسع المعرفة، قادرًا على بناء النظريات، وفي الوقت نفسه شديد البعد عن الحقيقة في بعض المجالات؛ لأن ذكاء العقل لا يعني بالضرورة سلامة استعماله.
وهنا تكمن خطورة بعض التصورات التي تجعل تطور الإنسان المعرفي والتكنولوجي دليلًا تلقائيًا على اكتمال العقل البشري. فالإنسان يستطيع أن يطوّر أدواته بصورة مذهلة، وأن يكتشف قوانين دقيقة في الطبيعة، وأن يبني التكنولوجيا والأنظمة المعقدة، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يبقى أسيرًا للأوهام والرغبات والتحيزات والصراعات النفسية.
ومن هنا ينبغي التمييز بين أمرين: تطور القدرة على إنتاج المعرفة، وبين اكتمال الإنسان بوصفه كائنًا عارفًا بذاته وبغاية وجوده وبمراتب الحقيقة.
*العوالم في العرفان والتصوف النظري: الخروج من سجن المستوى الواحد*
من أهم ما تمنحه الرؤية العرفانية للإنسان أنها لا تنظر إلى الوجود على أنه مستوى واحد مسطح ، مادي ، دنيوي .
فالعارف، بحسب الاصطلاحات المختلفة للعرفان النظري، يتحدث عن مراتب وعوالم تتدرج من جهة الظهور والتعين والكثرة، و عن مراتب مثل الجبروت والملكوت وعالم المثال والملك والطبيعة.
ولا يعني ذلك أن هذه العوالم أماكن جغرافية فوق بعضها بعضًا، ولا أن الله ينتقل من عالم إلى عالم، وإنما المقصود مراتب الظهور والتعين والإدراك.
فالعالم الأدنى يظهر فيه الشيء بصورة أكثر تقييدًا وكثرة وتفصيلًا، بينما يكون العالم الأعلى، في هذا التصور، أعمق وأقرب إلى حقيقة ما يظهر في العالم الأدنى. وبذلك يصبح لدينا مبدأ بالغ الأهمية: ما يظهر في المرتبة الأدنى ليس بالضرورة هو تمام الحقيقة، بل قد يكون مظهرًا محدودًا لحقيقة أوسع منه.
وهذه الفكرة وحدها تحدث انقلابًا في طريقة النظر إلى المعرفة الإنسانية.
فالإنسان الذي لا يرى إلا المستوى الحسي قد يظن أن ما أدركه بحواسه هو كل الواقع. والذي يضيف إليه التجربة النفسية قد يظن أن تجربته الداخلية هي الحقيقة النهائية. والذي يصل إلى التفكير العقلي قد يظن أن الصورة التي كوّنها العقل هي نهاية المعرفة.
أما الرؤية العرفانية فتدفع الإنسان إلى السؤال باستمرار: هل ما أدركته هو الحقيقة نفسها، أم ظهور من ظهوراتها؟ وهل قصوري في الإدراك ناشئ من قصور الحقيقة، أم من قصور القابل الذي يتلقى الحقيقة؟
*تسلسل البطون والظهور وتقوية الإدراك*
هنا تظهر قوة أخرى في الرؤية العرفانية، وهي الجمع بين الظهور والبطون. فالشيء يمكن أن يظهر في مرتبة بصورة، بينما تكون له حقيقة أعمق في مرتبة أخرى. وما هو ظاهر بالنسبة إلى عالم أدنى قد يكون باطنًا بالنسبة إلى عالم أعلى. وبهذا يصبح الوجود أشبه بسلسلة من المراتب التي لا يجوز اختزال إحداها في الأخرى.
إنسان العالم الحسي يرى الجسد، ولكن الإنسان ليس مجرد جسد. وعالم النفس يكشف الانفعالات والرغبات والدوافع، ولكن الإنسان ليس مجرد مجموعة من الرغبات. والعقل يكشف المعاني والعلاقات والقوانين، ولكن الإنسان ليس مجرد آلة استدلال. ثم تأتي مراتب أعلى من الإدراك في التصور العرفاني، بحيث يصبح الإنسان قادرًا على اكتشاف أن كل مرتبة تكشف جانبًا أدقّ من الحقيقة وتحجب جوانب أخرى الاقل ظهورا للحقيقة. فالتفكير في السير في العوالم تنقذنا شيئا فشيئا من تدليس النفس.
ومن هنا فإن تعدد العوالم لا يؤدي إلى خلوص الحقيقة وكشف الغبار والشوائب عنها تدريجيا.
وهذه نقطة جوهرية.
فإذا رأى عشرة أشخاص شيئًا من زوايا مختلفة، فإن اختلاف رؤاهم لا يعني بالضرورة أن الشيء نفسه لا حقيقة له. قد يعني ببساطة أن كل واحد منهم أدرك جانبًا منه بحسب موقعه وقابليته وأداته.
وهكذا يمكن للعالم العرفاني أن يفسر اختلاف الإدراكات دون أن يسقط مباشرة في القول بأن الحقيقة نفسها نسبية. العالم الأعلى حقيقة للعالم الأدنى. إذا كان كل عالم أدنى يمثل مرتبة من مراتب الظهور، وكان العالم الأعلى يتضمن حقيقة أعمق مما يظهر في العالم الأدنى، فإن انتقال الإنسان من الأدنى إلى الأعلى يصبح انتقالًا في درجة الإدراك.
وهنا لا يعود الصعود مجرد حركة روحية غامضة، وإنما يمكن فهمه بوصفه تدريبًا للإنسان على تجاوز القراءة السطحية للواقع.
يبدأ الإنسان بالحس، ثم ينتقل إلى التأمل، ثم إلى العقل، ثم إلى إدراك العلاقات والمعاني، ثم إلى مراتب أعمق من المعرفة بحسب اصطلاح العرفان والتصوف الأصيل.
وهنا يصبح للعرفان النظري أثر معرفي مهم جدًا: إنه يمنع الإنسان من تحويل مرتبته الخاصة في الإدراك إلى معيار مطلق للوجود كله.
*كيف يتحول ذلك إلى مواجهة لاحتيال النفس؟*
النفس تستطيع أن تخدع العقل عندما تقنعه بأن أول صورة وصل إليها هي الصورة النهائية.
لكن الرؤية العرفانية تجعل العقل نفسه أكثر حذرًا من هذا الاحتيال؛ لأنه يتعلم أن هناك فرقًا بين الحقيقة وبين إدراكه للحقيقة.
وقد يكتشف الإنسان أن ما ظنه يقينًا لم يكن إلا ظنًا ناشئًا عن محدودية أداة الإدراك، أو عن قصور في مقدماته، أو عن تأثير رغباته ومصالحه.
وهنا تتلاقى عدة عناصر في العرفان النظري:
مراتب الوجود، وتعدد العوالم، واختلاف القوابل، وتفاوت الإدراكات، والتمييز بين الظاهر والباطن، والصعود المعرفي للنفس، والتزكية، والعقل، والوحي.
إنها لا تقول للعقل: تخلَّ عن نفسك.
بل تقول له: اعرف حدودك، واعرف كيف تعمل النفس فيك، ولا تجعل أول ما أدركته آخر ما يمكن إدراكه.
وهذه ربما إحدى أهم نقاط القوة في هذا التصور.
*لماذا لا يكفي إجماع نخبة البشر؟*
إذا انتقلنا من الإنسان الفرد إلى العلوم الإنسانية، تظهر المشكلة بصورة أكبر. فليس من الضروري أن تكون النظرية صحيحة لمجرد أن عددًا كبيرًا من البشر آمن بها، وليس الإجماع التاريخي لأكثرية البشر معيارًا كافيًا للحقيقة، خاصة اذا كانت الغلبة العسكرية او المالية أو كلهما لصالح فئة تخطط وتحتال وتفرض هيمنتها بهذه الأدوات.
لقد عرفت البشرية في مراحل مختلفة تصورات كونية وعلمية واسعة الانتشار، ثم تغيرت عندما ظهرت أدلة ونماذج تفسيرية جديدة. فكان تصور مركزية الأرض نموذجًا رائجًا في مراحل تاريخية طويلة، ثم تغير النموذج الفلكي مع تطور الرصد والحساب والنظريات.
والدرس هنا ليس أن السابقين كانوا أغبياء أو أن اللاحقين معصومون، بل أن انتشار الاعتقاد لا يساوي بالضرورة مطابقته للواقع. : “بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا”
يمكن أن يتشكل الإجماع نفسه تحت تأثير المعرفة المتاحة في عصر معين، والمؤسسات التعليمية، واللغة العلمية السائدة، والسلطة الثقافية، والمصالح الاجتماعية، وأنماط التفكير الموروثة والميزانيات الموجهة و ما يسمى بالسياسة التعليمية بجانبه السلبي.
ولهذا فإن تحويل “إجماع نخبة البشر” إلى معيار نهائي للحقيقة يحمل مشكلة منهجية: من يضمن أن البشر الذين يصنعون الإجماع قد تحرروا أصلًا من القيود النفسية والمعرفية التي تجعلهم يخطئون جماعيًا؟
والأمر نفسه ينطبق على النخب.
فالنخبة قد تكون أكثر تعليمًا من عامة الناس، لكنها تظل بشرًا، ولها دوافعها ومصالحها وتحيزاتها وحدودها التاريخية. لذلك لا تحل مشكلة العلوم الإنسانية بمجرد استبدال رأي العامة برأي النخبة، أو استبدال الإجماع الشعبي بإجماع أكاديمي.
المشكلة أعمق: ما المنهج الذي يسمح لنا باكتشاف خطأ الإنسان حتى عندما يكون الإنسان مقتنعًا بأنه على صواب؟
*العلوم الطبيعية والتكنولوجيا ليستا مقياسًا كافيًا لاكتمال العلوم الإنسانية*
وهنا ينبغي التمييز بين تطور العلوم الطبيعية والتكنولوجيا وبين تطور العلوم الإنسانية.
فنجاح الإنسان في بناء تكنولوجيا أكثر دقة لا يعني بالضرورة أنه أصبح أكثر معرفة بحقيقة الإنسان.
لقد استطاع الإنسان أن يطور أدوات مذهلة في الفيزياء والهندسة والطب والاتصالات والحوسبة، لأن هذه المجالات تسمح بدرجات كبيرة من القياس والتجربة والتكرار والتنبؤ. أما الإنسان نفسه فهو موضوع أكثر تعقيدًا؛ لأنه الذات التي تدرس ذاتها.
فالإنسان عندما يدرس ظاهرة طبيعية يستطيع، إلى حد كبير، أن يضع نفسه خارج موضوع الدراسة. أما عندما يدرس الأخلاق والدين والمجتمع والرغبة والسلطة والسعادة والحرية والمعنى، فإنه يدخل هو نفسه في المعادلة. وهنا يصبح احتمال أن تؤثر رغبات الباحث وقيمه وتصوراته عن الإنسان في نتائجه أكبر. ولذلك لا يصح أن نقول ببساطة: بما أن العلم والتكنولوجيا يتقدمان، إذن العلوم الإنسانية تسير بالضرورة نحو الحقيقة بالدرجة نفسها. شتان بين اكتشاف قانون في الطبيعة وبين تحديد ما ينبغي للإنسان أن يكونه.
الأول يمكن اختباره بدرجة عالية من التكرار والقياس، أما الثاني فيتضمن أسئلة عن الغاية والقيمة والمعنى والفضيلة والسعادة والإنسان الكامل.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى أساس أعمق للعلوم الإنسانية.
الإنسان ليس مركز الحقيقة لمجرد أنه موضوعها
الرؤية العرفانية تقدم هنا تصحيحًا مهمًا للموقع المعرفي للإنسان.
فالإنسان يمكن أن يكون محورًا لدراسة العلوم الإنسانية، لكنه لا يصبح بذلك أصل الحقيقة أو مصدر القيم أو معيار الوجود كله. هناك فرق بين أن نقول: “ندرس الإنسان”، وبين أن نقول: “الإنسان هو المعيار النهائي لكل شيء”.
والعرفان النظري يبدأ من رؤية مختلفة: الإنسان موجود محدود، فقير، محتاج، متغير، وقابل للمعرفة والخطأ في الوقت نفسه. لكن هذه المعايير تفتح له طنوز من المعرفة و تجعله متصلا بعين الحقيقة و ينابيعها. وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بقوة: «﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[فاطر: 15]» فالإنسان هنا ليس كائنًا مستقلًا مكتفيًا بذاته، وإنما كائن فقير في أصل وجوده. ومن هنا يمكن أن تصبح معرفة النفس بداية لتحرير العقل منها، لا لتعظيمها بلا حدود. فكلما عرف الإنسان فقره وحدوده، أصبح أكثر قدرة على التواضع المعرفي؛ وكلما توهم أنه مكتفٍ بذاته، أصبح أكثر قابلية لتحويل أفكاره الخاصة إلى حقائق مطلقة.
*من “معرفة الإنسان” إلى “تربية الإنسان”*
هذه النقطة يمكن أن تكون جوهر مشروع العلوم الإنسانية الإسلامية. فالعلوم الإنسانية لا ينبغي أن تكتفي بالسؤال:
كيف يتصرف الإنسان؟
بل ينبغي أن تسأل أيضًا:
لماذا يتصرف و ما يريد؟ و ما هو كماله؟ وإلى ماذا ينبغي أن يرتقي؟ وما الذي يمنعه من معرفة الحقيقة؟ وكيف يتحول من إنسان تحكمه الشهوة والغضب والغرور إلى إنسان متصل بأعلى درجات الحقيقة؟
وهنا يظهر مفهوم الإنسان الكامل في التراث العرفاني بوصفه أفقًا معرفيًا وأخلاقيًا للإنسان، لا بوصفه مجرد فكرة صوفية منعزلة.
فالإنسان الكامل هو الإنسان الذي لا تكون قدرته العقلية منفصلة عن تزكيته، ولا معرفته منفصلة عن عبوديته، ولا حريته منفصلة عن الحقيقة، ولا قوته منفصلة عن الرحمة والعدل.
وهذا يفتح بابًا مختلفًا تمامًا أمام العلوم الإنسانية: بدل أن تدرس الإنسان كما هو فقط، يمكنها أن تدرس أيضًا مسار انتقال الإنسان من حاله الراهن إلى حال أكثر كمالًا.
*العرفان لا يلغي العقل، بل يضع العقل في منظومة أوسع*
ليس المقصود أن العرفان النظري يقدم بديلًا عن البرهان أو التجربة العلمية، ولا أن كل قضية عرفانية يمكن تحويلها إلى معادلة تجريبية. بل قوته الأساسية هنا في أنه يقدم أنثروبولوجيا وميتافيزيقا للمعرفة: يفسر محدودية الإنسان، ومراتب الإدراك، وتأثير النفس، وتفاوت القوابل، وعلاقة الظاهر بالباطن، وإمكان الخطأ، والحاجة إلى الارتقاء والتزكية و آليات تقوية الإدراكات العقلية.
وهذا مهم جدًا للعلوم الإنسانية؛ لأن المشكلة فيها ليست فقط نقص المعلومات، وإنما مشكلتها الإنسان الذي ينتج المعلومات والنظريات والقيم فيها. ومن هنا يمكن أن يكون العرفان النظري عنصرًا من عناصر تصحيح المنهج، لا مجرد موضوع تاريخي للدراسة.
*نحو علوم إنسانية تسير في الاتجاه الصحيح*
إذا أردنا علومًا إنسانية أكثر قدرة على الاقتراب من الحقيقة، فإن المطلوب ليس رفض العقل، ولا رفض العلم، ولا استبدال جامعة بجامعة أو نخبة بنخبة. المطلوب هو بناء منظومة معرفية تعترف بأن الإنسان متعدد الطبقات، وأن إدراكه متعدد المراتب، وأن النفس قادرة على التأثير في العقل، وأن الحقيقة ليست مساوية لما يتفق عليه البشر في لحظة تاريخية معينة. وهنا يستطيع العرفان النظري أن يقدم عدة عوامل متكاملة:
أولًا: رؤية كونية تجعل الحقيقة سابقة على الإنسان، فلا يصبح الإنسان خالقًا للحقيقة لمجرد أنه يفكر فيها.
ثانيًا: نظرية في مراتب الوجود والظهور تمنع اختزال الواقع في عالم واحد أو مستوى واحد من الإدراك.
ثالثًا: نظرية في القوابل والمراتب تفسر لماذا يختلف الناس في إدراك الحقيقة من دون أن يلزم من ذلك أن تكون الحقيقة نفسها نسبية.
رابعًا: مفهوم الصعود المعرفي الذي يجعل المعرفة عملية ارتقاء، لا مجرد تراكم معلومات.
خامسًا: التزكية بوصفها عنصرًا في سلامة المعرفة؛ لأن إصلاح الأداة العارفة جزء من إصلاح المعرفة نفسها.
سادسًا: الوحي بوصفه مصدرًا يتجاوز حدود الإنسان عندما يكون العقل البشري عاجزًا عن الوصول وحده إلى بعض الحقائق الغائية والقيمية.
سابعًا: مفهوم الإنسان الكامل بوصفه معيارًا أعلى لدراسة إمكانات الإنسان، بدل الاكتفاء بدراسة الإنسان في أكثر صوره ضعفًا واضطرابًا وشهوةً وصراعًا.
الخاتمة: تحرير العقل يبدأ من اكتشاف من يتكلم من خلاله
قد تكون أعظم مشكلة في المعرفة الإنسانية أن الإنسان يتصور أنه يستخدم عقله، بينما قد تكون النفس في بعض الأحيان هي التي تستخدم العقل.
ومن هنا فإن السؤال الأعمق ليس: هل لدينا عقل؟ بل: هل عقلنا محرر بما يكفي لكي يبحث عن الحقيقة، أم أنه يعمل أحيانًا داخل منظومة صنعتها النفس ثم طلبت من العقل أن يبررها؟
وبذلك يمكن أن يتحول مشروع العلوم الإنسانية الإسلامية من مجرد محاولة لإضافة مصطلحات دينية إلى علوم إنسانية حقيقية، وإلى مشروع أعمق: إعادة بناء صورة الإنسان نفسه، وموقعه في الوجود، وطبيعة المعرفة التي ينتجها، والشروط التي تجعل هذه المعرفة أقرب إلى الحقيقة. فالعلوم الإنسانية لا تحتاج فقط إلى المزيد من المعلومات عن الإنسان؛ إنها تحتاج إلى معرفة الإنسان الذي ينتج المعرفة عن الإنسان.
العملية آحياء العلوم الانسانية هنا ليست معقدة ، يكفي تأسيس دولة تؤمن بهذا الخطاب و تعطي اهتمام و أولوية بالعرفاء. فحينها نجد ظهور شجرة علمية عملاقة من برعم صغير . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾. حيث يشع هذا النور في فضاءات القلوب الوالهة في العالم من افريقا السوداء الى اوروبا الشقراء و من العيون الصينية الى العيون الزرقاء. و تتشكل من هذه القلوب المنيرة ، حضارة عالمية مشرقة ومثالية، ترفع جميع الشعوب بالعدل و توصل الانسان المريد الى أعلى درجات الكمال الحقيقية.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
