*بين الشرق والغرب، الإسلام يمهّد لحضارة مشرقة متمايزة بحرية الإختيار*

*بين الشرق والغرب، الإسلام يمهّد لحضارة مشرقة متمايزة بحرية الإختيار*، محمد كوراني، ٢٠٢٦.٠٧.٠٦

عندما نتأمل مسيرة الحضارات عبر التاريخ، نجد أن معظم المشاريع الحضارية الكبرى سعت إلى فرض رؤيتها على الإنسان، ولكنها اختلفت في الوسائل أكثر مما اختلفت في الغاية.

ففي مراحل طويلة من التاريخ، اعتمدت إمبراطوريات وحضارات شرقية متعددة على القوة العسكرية والسلاح والفتح والإكراه السياسي لبسط نفوذها، فكانت القوة الخشنة هي اللغة السائدة في توسيع النفوذ وترسيخ النموذج الحضاري. وقد حملت تلك الحضارات جوانب مضيئة في بعض الميادين، كما حملت في الوقت نفسه جوانب من الاستبداد والقهر والعنف، شأنها شأن كثير من التجارب الإنسانية.

 

أما الحضارة الغربية المعاصرة، فقد طوّرت أدوات أكثر تعقيدًا وأشد تأثيرًا. فهي لا تعتمد في المقام الأول على الجيوش، بل على القوة الناعمة؛ من خلال هيمنة المال العالمي، والإعلام العابر للحدود، والتكنولوجيا الرقمية، ومنظومات العلوم الإنسانية التي تشكّل الوعي والسلوك، إضافة إلى صناعة ثقافة استهلاكية تُعلي من النزوات والشهوات على حساب العقل والقيم والرسالة الإنسانية.

 

وهكذا أصبح الإنسان يشعر أنه يختار بحرية، بينما تتولى منظومات اقتصادية وإعلامية وثقافية ضخمة توجيه رغباته، وصناعة احتياجاته، وإعادة تشكيل أولوياته، حتى يغدو أسيرًا لاختيارات صُنعت له مسبقًا، فيفقد تدريجيًا استقلاله الفكري وقدرته الحقيقية على الاختيار الحر.

 

إن أخطر أشكال الاستعباد ليس أن تُقيَّد الأيدي، بل أن تُوجَّه العقول دون أن تشعر، وأن تُصاغ الإرادات حتى يظن الإنسان أنه صاحب القرار، بينما هو يتحرك داخل حدود رسمها له غيره.

 

*ومن هنا تتمايز الحضارة التي يمهّد لها مشروع الإسلام المحمدي الأصيل.*

 

*فهذه الحضارة لا تقوم على إلغاء حرية الإنسان، ولا على برمجة إرادته، ولا على فرض الإيمان بالقوة، ولا على صناعة إنسان مستلب الإرادة، بل تنطلق من حقيقة أن الإنسان خليفة الله في الأرض، ولا تتحقق خلافته إلا إذا كان حرًا مسؤولًا عن اختياره.*

 

إنها الحضارة التي تترك للإنسان كامل الحرية في أن يختار بين الخير والشر، وبين الإيمان والكفر، وبين الصلاح والفساد، لكنها في الوقت نفسه تعمل على إزالة كل ما يمنع الإنسان من ممارسة هذه الحرية الحقيقية؛ فتحرره من الاستبداد السياسي، ومن الاستعباد الاقتصادي، ومن الاحتلال، ومن التضليل الإعلامي، ومن هيمنة الشهوة، ومن عبودية المال، ومن كل قيد يحول بينه وبين عقله وفطرته.

 

فالغاية ليست أن يُجبر الإنسان على الخير، لأن الخير المفروض لا يصنع إنسانًا صالحًا، وإنما أن يُحرَّر الإنسان حتى يرى الحقيقة بعقله، ثم يختار الخير بإرادته الحرة.

 

وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الحضارة الإسلامية المنشودة وغيرها من المشاريع الحضارية؛ فبعض الحضارات تصنع الطاعة بالقوة، وأخرى تصنعها بالإغراء والتوجيه الخفي، أما الحضارة التي يبشر بها الإسلام المحمدي الأصيل، فإنها تصنع الإنسان الحر، ثم تثق بأن الفطرة السليمة والعقل المحرر، إذا أُتيحت لهما فرصة العمل بعيدًا عن الإكراه والتضليل، سيكونان أكثر ميلًا إلى العدل والرحمة والحق والخير.

 

إن الحضارة العالمية المشرقة القادمة ليست حضارة تُخضع الإنسان، بل حضارة تُطلق إنسانيته، وليست حضارة تفرض الفضيلة بالإكراه، بل تهيئ البيئة التي تجعل الفضيلة خيارًا واعيًا ومسؤولًا. ولذلك فهي حضارة تحرير قبل أن تكون حضارة سلطة، وحضارة بناء للإنسان قبل أن تكون بناءً للدولة، وحضارة للعقل والفطرة قبل أن تكون حضارة للمادة والتقنية.

 

وهذا هو الامتياز الحضاري الأعظم للإسلام المحمدي الأصيل: أنه لا يريد إنسانًا مبرمجًا على الخير، بل إنسانًا حرًا يختار الخير عن بصيرة، لأن قيمة الإنسان الحقيقية لا تكمن في مجرد فعل الخير، بل في أن يفعله وهو قادر على اختيار غيره، ثم ينتصر بإرادته للحق والعدل والرحمة. وهذا ما نسميه بالمصطلحات الدينية بالدولة المهدوية العالمية التي نرى بشائرها القريبة جدا.

 

العلوم الإنسانية الإسلامية

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة

#Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

المزيد

قنواتنا

الوصول إلينا

Our Channels