*الاستعمار المعرفي: كيف خدمت العلوم الإنسانية مشروع الهيمنة الغربية*

*الاستعمار المعرفي: كيف خدمت العلوم الإنسانية مشروع الهيمنة الغربية* محمد كوراني – لا يمكن فهم نشأة وتطور العلوم الإنسانية – علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الإدارة – بمعزل عن السياق الاستعماري الذي ولدت فيه. فخلافاً للصورة النيوترالية التي تقدم بها هذه التخصصات نفسها، تؤكد الأدلة التاريخية والتحليلات النقدية أن هذه العلوم نشأت وتشكلت في كنف المشروع الاستعماري، وكانت أداة فعالة في تطويع الشعوب وإضفاء الشرعية على الهيمنة الغربية. هذا المقال يستعرض، بالدلائل العلمية، كيف اتخذت هذه التخصصات منحى استعماريًا، وكيف ساهمت في إنتاج *وإعادة إنتاج خطاب تفوق الغرب وتخلف “الآخر”.*

 

*أولاً: علم النفس بين اليوجينيا والتفوق العنصري*

منذ نشأته كتخصص أكاديمي في الولايات المتحدة، ارتبط علم النفس ارتباطاً وثيقاً بإيديولوجيات الداروينية الاجتماعية واليوجينيا (تحسين النسل). ففي العقود الأولى من القرن العشرين، استخدم رواد علم النفس الأميركي نظرية اليوجينيا كإطار لترويج علم النفس كأداة “علمية” للتنبؤ بالسلوك البشري والتحكم فيه، بل والهندسة الاجتماعية للمجتمع الأميركي بأكمله، مما كان له أثر اجتماعي سلبي كبير. لم تكن هذه الممارسات محصورة في المختبرات الأكاديمية، بل امتدت لتشكل أساساً لسياسات عنصرية وقوانين تمييزية، حيث وظفت السلطات العامة أعمال علماء النفس هذه لدعم ممارسات وسياسات جائرة عنصرياً وطبقاتياً.

 

هذا التوجه اليوجيني لم يكن مجرد انزلاق أخلاقي فردي، بل كان جزءاً من بنية معرفية أوسع. يشير الباحثون في مجال “استعمارية الوجود والمعرفة” إلى أن تخصصات “العلوم النفسية” كان لها تأثير إداري في الغالب، حيث مكّنت من صعود الدولة الليبرالية الجديدة في أواخر القرن العشرين من خلال تشكيل الأفراد الذاتيين بما يتوافق مع متطلبات السوق والرقابة. بعبارة أخرى، لم يقتصر دور علم النفس على تصنيف ووصف السلوك، بل ساهم في إنتاج “نوع” معين من الإنسان المتوافق مع النظام الاستعماري وما بعده.

 

ويظهر هذا بوضوح في الطريقة التي تعامل بها علم النفس مع المستعمرين أنفسهم، حيث تم تصنيفهم ضمن أطرٍ تخدم أغراض السيطرة، كما في حالة بورتوريكو في منتصف القرن العشرين، حيث استخدمت الاختبارات النفسية القياسية (السيكومترية) الأميركية لتقييم المساجين وتأهيلهم، ممتزجةً بالتقاليد الإثنوغرافية الإسبانية الاستعمارية، لإنتاج علم “كريولي” (مختلط) خدم في النهاية مشروع الحكم الذاتي الداخلي تحت الهيمنة الأميركية.

 

*ثانياً: علم الاجتماع أداة للتصنيف والإدارة الاستعمارية*

 

كان علم الاجتماع، منذ نشأته، جزءاً لا يتجزأ من الإمبراطوريات الأوروبية. فالسيطرة الإمبراطورية على الأراضي وفرت مساحات وسكاناً متميزين لممارسة العلوم الاجتماعية، وجمع البيانات والتحف، واختبار الفرضيات. كثير من أوائل الإثنوغرافيين والمنظرين الاجتماعيين كانوا ضباطاً عسكريين إمبرياليين، كان من مصلحتهم فهم الشعوب والأقاليم المكلفين بالسيطرة عليها، وأنتجوا أدبيات أثرت في النقاشات حول ما يعتبر “إنسانياً”، وما يعنيه العيش في حالة اجتماعية، وأشكال الاختلاف التي تعزى إلى التباين الطبيعي مقابل العادة الثقافية.

 

أحد الأمثلة البارزة على ذلك هو مفهوم “القبيلة” في أفغانستان. هذا المفهوم الذي نستخدمه اليوم لفهم التنظيم الاجتماعي الأفغاني، لم يكن مجرد وصف محايد، بل نتاج سياق استعماري محدد. بدأ استخدامه في أوائل القرن التاسع عشر على يد المستكشفين البريطانيين، مثل ماونتستوارت إلفنستون الذي شبه القبائل الأفغانية بالعشائر الأسكتلندية القديمة، ثم تطور المفهوم ليصبح أداة لتبسيط وتصنيف المجتمع الأفغاني بما يخدم مصالح الإمبراطورية، ليصبح في النهاية علامة فارقة للهوية الأفغانية في الخطاب الاستعماري وما بعده.

 

كشفت دراسة جورج شتاينميتز عن “النسيان الجماعي” في تاريخ علم الاجتماع الفرنسي، حيث تم قمع وإهمال مساهمة علماء الاجتماع في المشروع الاستعماري الفرنسي بشكل فعال، على الرغم من أن حوالي نصف علماء الاجتماع الفرنسيين بعد عام 1946 عملوا على مواضيع مرتبطة بالإمبراطورية الفرنسية. هذا القمع المعرفي لم يكن محض صدفة، بل نتاج عوامل متعددة، منها الرغبة في طي صفحة الماضي الاستعماري، والخوف من الوصم بالاستعمار، والمركزية المتروبولية التي صنفت الدراسات الميدانية في المستعمرات كـ”علم إثنولوجيا” بدلاً من “علم اجتماع”.

 

*ثالثاً: علم الإدارة بين العبودية و”العلمنة” العرقية*

 

يكشف تاريخ علم الإدارة والدراسات التنظيمية عن إرث عميق من الظلم الاستعماري الذي غالباً ما يتم تجاهله في السرديات الرسمية. تشير التحليلات النقدية إلى أن مفهومي “نزع الإنسانية العقلاني” و”الإدارة العلمية القائمة على التمييز العنصري” كانا في صميم تطور أفكار الإدارة والتنظيم. فإدارة العبيد في المزارع الأميركية، على سبيل المثال، مثلت شكلاً من أشكال الإدارة التي تجاهلتها كتب الإدارة الكبرى في القرن العشرين بشكل مثير للدهشة، على الرغم من أن ملايين العبيد كانوا يؤدون أعمالهم تحت إشراف “مديرين”.

 

لم تقتصر آثار هذا الإرث على الماضي، بل تمتد إلى الحاضر من خلال استمرار تصدير نماذج إدارية غربية تعتبر نفسها عالمية ومعيارية، متجاهلة السياقات الثقافية والتاريخية للشعوب الأخرى. إن الإدارة العلمية التي أسسها فريدريك تايلور، والتي ركزت على تخطيط وتنظيم وتوجيه ومراقبة دورات العمل، نشأت في سياق الإمبريالية الجديدة في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كانت الدول الاستعمارية تبحث عن أسواق جديدة ومواد خام رخيصة، مما جعل إدارة العمل بكفاءة – سواء في المصانع أو في المستعمرات – أولوية قصوى.

 

*نحو تفكيك الإرث الاستعماري*

 

لولا ازمة الجامعات بعد ابادة غزة، لما كان أحد في العالم، يعلم بهيمنة المال الصهيوني على الجامعات في الغرب، هذه الجامعات التي لطالما كانت رمز التقدم والتطور والحضارة الزائفة المخادعة. كفى تساهلا و تغافلا مع هذه الحقائق و كفى غباءا و حماقة في التعاطي مع هذا التزيف والخداع و كفى انبطاحا و استسلاما لهيمنة الانسان الغربي على شعوب العالم.

من هذا المنطلق ، تثبت الأدلة العلمية أن العلوم الإنسانية لم تكن حقلاً معرفياً محايداً، بل كانت شريكاً فاعلاً في المشروع الاستعماري. من خلال مفاهيم مثل يوجين “التحسين النسل” في علم النفس، و”القبيلة” في علم الاجتماع، و”الإدارة العلمية” في علم الإدارة، تم إنتاج خطاب معرفي رسم صورة “الآخر” باعتباره أدنى مرتبة، وغير عقلاني، ويحتاج إلى التوجيه والسيطرة. لم تكن هذه العلوم مجرد أدوات سلبية في يد السلطة الاستعمارية، بل كانت منتجة لها، وشكلت أطراً معرفية استمرت في التأثير بعد انتهاء الاستعمار المباشر، من خلال سياسات التنمية، والبرامج النفسية، ونماذج الإدارة المستوردة.

 

إن الاعتراف بهذا الإرث الاستعماري هو الخطوة الأولى نحو تحرير هذه العلوم، كما يدعو إلى ذلك باحثو “علم نفس التحرر” و”ما بعد الاستعمار”. هناك حاجة ملحة إلى “تفكيك استعمار” المعرفة، والإنصات للأصوات المهمشة، وبناء علوم إنسانية أكثر إنصافاً وعدالة، تعترف بتعدد المعرفة وترفض أي ادعاء بالمركزية أو العالمية الزائفة.

*”لذلك دائما نؤكد أن العلوم الانسانية في البيئة الصحيحة والسليمة او كما اسميها ، “العلوم الانسانية الاسلامية هي الممهدة للحضارة العالمية المشرقة القادمة.”*

 

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة

 

https://mohammadabbaskawrani.com  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

*إليكم… يا من حملتم أثقل…

*إليكم… يا من حملتم أثقل الأعباء* محمد كوراني، ٢٠٢٦.٠٨.٠٢ إليكم، يا من…

هل الثراء يدل على رجحان…

هل الثراء يدل على رجحان العقل، – مهدي كوراني، ٢٠٢٦.٠٧.٢٩ “عندما ننظر…

*نقد النظريات العولمة في رسم…

*نقد النظريات العولمة في رسم النظام العالمي بعد عام 2030* محمد كوراني…

مقالات إضافية

*إليكم… يا من حملتم أثقل…

*إليكم… يا من حملتم أثقل الأعباء* محمد كوراني، ٢٠٢٦.٠٨.٠٢ إليكم، يا من…

هل الثراء يدل على رجحان…

هل الثراء يدل على رجحان العقل، – مهدي كوراني، ٢٠٢٦.٠٧.٢٩ “عندما ننظر…

*نقد النظريات العولمة في رسم…

*نقد النظريات العولمة في رسم النظام العالمي بعد عام 2030* محمد كوراني…