*فراراً من الاسئلة الصعبة. من البحث عن الله إلى البحث عن شعور الإنسان بالله* محمد كوراني
منذ القرون الأخيرة، دخلت البشرية مرحلةً فكرية حاول فيها كثير من الفلاسفة إعادة تفسير الدين والمقدّس بعيدًا عن التواضع للوحي والنبوة والتواضع للحقيقة الإلهية المطلقة.
ولم يعد السؤال المركزي عندهم:
من هو المقدّس الحقيقي؟
بل أصبح:
كيف يشعر الإنسان العادي ولعل الغبي بالمقدّس؟ ولماذا يحتاج إليه؟ وكيف يصنعه المجتمع أو النفس أو التاريخ؟
وهنا وقع التحوّل الأخطر في تاريخ الفكر الحديث؛ إذ انتقل البحث من “حقيقة المقدّس” إلى “تجربة الإنسان مع المقدّس”.
أي من نظر العقل إلى الله بوصفه الحقيقة العليا التي تمنح الإنسان وجوده ومعناه، إلى نظر عامة الناس إلى المقدّس كمنتج نفسي أو اجتماعي أو لغوي أو ثقافي.
وهذا الانقلاب لم يكن تفصيلًا فلسفيًا عابرًا، *بل كان أساس الأزمة الروحية والأخلاقية والحضارية التي يعيشها العالم الغربي لتجاوز المحرمات الدينية التي كانت تعارض هيمنة البشر على البشر بحجة القوة والمال الأكثر.*
*أولًا: الفلاسفة المتأخرون قلبوا العلاقة بين الإنسان والمقدّس*
إن المشكلة الكبرى عند كثير من الفلاسفة المتأخرين أنهم لم ينظروا إلى رابطة المقدّس بالإنسان، بل نظروا فقط إلى رابطة الإنسان بالمقدّس.
والفرق بين الأمرين هائل.
فحين ننظر إلى رابطة الإنسان بالمقدّس فقط، يصبح المقدّس تابعًا لوعي الإنسان وشعوره وحاجته النفسية والاجتماعية.
أما حين ننظر إلى رابطة المقدّس بالإنسان، فإننا نبدأ من حقيقةٍ أعلى من الإنسان نفسه؛ نتواضع له و نحترمه و نعطي كلامه اهتمام فوق كلام البشر، و هي الحقيقة التي أوجدته ومنحته المعنى والغاية.
لقد تعامل كثير من الفلاسفة مع المقدّس كما لو أنه انعكاس داخل العقل البشري، لا حقيقة قائمة بذاتها فوق الإنسان والكون والتاريخ، بعبارة أخرى نظروا الى هذه الرابطة فقط من اتجاه واحد.
*ثانيًا: نقد الفلاسفة الذين اختزلوا المقدّس إلى صناعة بشرية*
Friedrich Nietzsche : إعلان موت الإله وصناعة العدمية
حين أعلن نيتشه “موت الإله”، لم يكن يقصد قتل الله حقيقة، بل كان يعبّر عن سقوط المرجعية الدينية في الحضارة الغربية الحديثة.
لكنه أخطأ حين ظنّ أن الإنسان يستطيع أن يحلّ محلّ المقدّس الحقيقي.
لقد حاول نيتشه أن يملأ الفراغ بفكرة “الإنسان الأعلى”، أي الإنسان الذي يصنع قيمه بنفسه.
لكن النتيجة لم تكن التحرّر، بل انهيار المعايير وولادة العدمية والفوضى المغشى بالعلم والتطور والتكنولوجيا؛ لأن الإنسان حين ينفصل عن المطلق يفقد الميزان الذي يضبط الخير والشر والحق والباطل و بل يشكك فيهما بل الاسوء انه قد تنعكس الامور عنده ذهنياً وعقلياً.
لقد ظنّ نيتشه أنه حرّر الإنسان من الله، لكنه في الحقيقة حرّره من المعنى نفسه و من هويته الحقيقة و حرر من فرصة الصعود والارتقاء.
Michel Foucault : اختزال المقدّس إلى سلطة
أما فوكو فقد نظر إلى المقدّس من زاوية السلطة والبنية الاجتماعية، فصار الدين عنده جزءًا من آليات الضبط والتحكم وإنتاج الخطاب للضحك على الشعوب و تبرير الاستعمار الحديث.
ومع أن تحليل السلطة مهم في كشف انحرافات البشر، إلا أن فوكو وقع في اختزال خطير؛ إذ تعامل مع الحقيقة الدينية وكأنها مجرد شبكة نفوذ اجتماعي.
وهكذا تحوّل المقدّس عنده من حقيقة متعالية إلى أداة سياسية وثقافية.
لكن السؤال الذي لم يجب عنه فوكو هو: إذا كانت كل الحقائق مجرد سلطات، فبأي سلطة يحاكم هو السلطات؟ ومن أين يأتي معيار العدالة أصلًا؟ إن رفض المقدّس الحقيقي لا يحرّر الإنسان من السلطة، بل يدفعه لعبادة سلطات جديدة أكثر خفاءً و هذا ما كان يطمح الاستعمار القديم عندما غير عبائته ولبس عباءة العلم والتطور لهيمنة على الشعوب الأخرى.
Jacques Derrida : تفكيك المعنى حتى ضياع الحقيقة
أما دريدا فقد فتح باب التفكيك إلى درجة أصبح معها المعنى نفسه غير مستقر.
فلا وجود — عنده — لمعنى نهائي أو حقيقة مكتملة أو حضور ثابت.
وبذلك تحوّل المقدّس إلى شيء مؤجّل وغامض لا يمكن الإمساك به. لكن إذا صار كل شيء قابلًا للتفكيك بلا نهاية، فكيف يمكن للإنسان أن يصل إلى يقين أو هداية أو حقّ ثابت؟
إن التفكيك حين يفقد مرجعيته العليا يتحول إلى فوضى معرفية، ويجعل الإنسان سجين الشك الدائم، الشك الذي يثيرها العولمة لصالح النخبة المالية المتحكمة بالجامعات و الاكادميات و بكل طبقات المجتمع. فيبقى هيمنة المال على العقل هي الوحيدة غير قابلة للتفكيك والتشكيك.
*ثالثًا: الفلاسفة الذين أعادوا الحديث عن المقدّس لكنهم لم يصلوا إلى حقيقته*
Mircea Eliade : المقدّس كظاهرة إنسانية عامة
إلياد قدّم قراءة عميقة للرموز والأساطير والشعائر، وبيّن أن الإنسان يحمل نزوعًا فطريًا نحو المقدّس، لكن ضاعوا بين المقدس الحقيقي و المقدس المزيف و بدلا من البحث عن المقدس الحقيقي. بحثوا عن شعور الانسان تجاه كل مقدس ولو كان مزيفاً.
فبقي يدرس “تجليات المقدّس” داخل الثقافات، دون أن يحسم سؤال:
من هو المقدّس الحق؟
فصار المقدّس عنده ظاهرةً أنثروبولوجية عامة، لا حقيقةً إلهية مطلقة، يجب ان نتعرف عليه من خلال ما يقدمه هو لنا.
Rudolf Otto : الرهبة بدل الحقيقة
أما رودلف أوتو فوصف المقدّس بأنه تجربة “الرهبة والجلال والغموض”.
وهذا وصف مهم لبعض آثار المقدّس على النفس البشرية، لكنه لا يجيب عن سؤال الحقيقة نفسها.
فالرهبة وحدها لا تكفي؛ لأن الإنسان قد يشعر بالرهبة أمام النار أو البحر أو القوة أو الطاغية.
فهل تصبح هذه مقدّسة؟
إن المشاعر لا تصنع الحقيقة، بل الحقيقة هي التي تمنح المشاعر معناها الصحيح و الجمعي.
Jürgen Habermas : الاعتراف بالحاجة الأخلاقية للدين دون الاعتراف بالمطلق
هابرماس أدرك أن الحداثة فشلت في إنتاج منظومة أخلاقية مستقرة دون الإرث الديني، ولذلك دعا إلى الاستفادة من المخزون الأخلاقي للأديان.
لكن حتى هذا الطرح بقي أسير النظرة النفعية؛ إذ تعامل مع الدين بوصفه خزانًا أخلاقيًا للمجتمع، لا بوصفه وحيًا صادرًا عن ربّ العالمين.
*رابعًا: رابطة المقدّس بالإنسان تكشف وجود مقدّسات زائفة*
*إن النظر الصحيح لا يبدأ من الإنسان بل من المقدّس الحقيقي نفسه.*
وحين ننطلق من هذه الحقيقة ندرك فورًا أن هناك فرقًا بين:
المقدّس الحقيقي والمقدّسات الزائفة
فالإنسان عبر التاريخ صنع أصنامًا كثيرة:
أصنامًا حجرية
وأصنامًا فكرية
وأصنامًا سياسية
وأصنامًا اقتصادية
وأصنامًا قومية
وأصنامًا علمية وتقنية
وقد يرفض الإنسان عبادة الحجر لكنه يعبد الدولة، أو المال، أو الشهرة، أو القوة، أو السوق، أو اللذة، أو القائد، أو الذات.
ولهذا فإن المشكلة الحقيقية ليست في وجود المقدّس، بل في تشخيص المقدّس الحق من المقدّسات الكاذبة.
*خامسًا: كل المقدّسات الأخرى ليست مقدّسات حقيقية*
إن كل ما سوى الله محدود وزائل ومخلوق ومحتاج.
فكيف يتحول المحتاج إلى مصدرٍ للقداسة المطلقة؟
إن الأشياء تكتسب قيمتها من الله، لا العكس. والله هو وجود حقيقي سوف يدافع عن حقيقيته، اذا نظرنا إليه نظرة حق.
والإنسان لا يمنح الله القداسة، بل الله هو الذي يمنح الإنسان والوجود كله معناه وكرامته.
ولهذا فإن كل مقدّسٍ غير الله هو مقدّس مجازي أو مزيف أو مؤقت.
فالدولة تزول.
والحضارات تنهار.
والأفكار تتبدل.
والقادة يموتون.
والقوة تفنى.
والمال يتغير.
والتقنيات تصبح خردة بعد سنوات.
أما الله فهو الباقي حين يفنى كل شيء.
*في الواقع، اذا اعطيتم الحق للوجود المزيف، حينها لم يكن باستطاعتكم رؤية الوجود الحقيقي و كذلك عند اهتمامنا بالمزيف، الحقيقي يفقد عندنا بريقه.*
*سادسًا: المقدّس الحقيقي هو ربّ الوجود كلّه*
المقدّس الحقيقي ليس فكرةً صنعها الإنسان، ولا رمزًا ثقافيًا أنتجه التاريخ.
بل هو: ربّ العالمين،
خالق الوجود،
وخالق الإنسان والعقل والزمن،
ومالك الحياة والموت،
والذي تبدأ منه الأشياء وتنتهي إليه.
هو الذي لا يستمد قداسته من اعتراف البشر به، بل البشر أنفسهم يستمدّون وجودهم منه.
إن الله مقدّس بذاته، سواء عرفه الناس أو جهلوه، عبدوه أو أنكروه.
وكل ما في الكون يشهد — بوجوده ونظامه وفقره وتغيّره — على أن هناك مطلقًا فوقه.
*سابعًا: عملية معرفة المقدّس الحقيقي مع كرّها و فرّها، عملية اجتماعية تربوية تكاملية*
إن الوصول إلى المقدّس الحقيقي وسط عالمٍ مليء بالمقدّسات الزائفة ليس عملية فردية بسيطة فقط، بل هو بحد ذاته مشروع تربوي و حضاري طويل.
فالإنسان يولد داخل بيئات وثقافات وأنظمة تؤثر على وعيه، ولذلك فإن تحريره من عبادة الزيف يحتاج إلى:
تربية
وتعليم
وبناء أخلاقي
وحوار فكري
وتجربة اجتماعية
ونضج روحي وعقلي
إن البشرية تتحرك عبر التاريخ في صراع بين:
الهداية والتضليل
الحقيقة والزيف
عبادة الله وعبادة المخلوقات
ولهذا فإن كشف المقدّس الحقيقي ليس مجرد نقاش فلسفي، بل عملية إنقاذ حضاري للإنسان نفسه.
فالإنسان حين يعرف ربّه الحقيقي يتحرر من عبودية:
الطغاة
والأسواق
والشهوات
والأوهام
والمصالح
والأنانيات
ويصبح قادرًا على بناء حضارة عادلة متوازنة.
خاتمة
لقد أخطأ كثير من الفلاسفة المتأخرين حين حوّلوا المقدّس إلى ظاهرة نفسية أو اجتماعية أو لغوية، لأنهم بدأوا من الإنسان بدل أن يبدأوا من الحقيقة العليا التي أوجدت الإنسان.
فالمقدّس الحقيقي ليس ما يقدّسه البشر، بل من تقوم به حقيقة الوجود كله.
وكل مقدّسٍ غير الله يبقى محدودًا وزائفًا وقابلًا للانهيار.
أما الله وحده فهو: المقدّس الحق،
ربّ الوجود،
وخالق الإنسان،
القادر والفعال ما يشاء،
ومالك البداية والنهاية.
ومعرفة هذا المقدّس الحقيقي وسط زحام المقدّسات الكاذبة هي المعركة الفكرية والتربوية الكبرى للبشرية، هي الطريق الذي ينقذ الإنسان من العبودية للزائل ويعيده إلى عبادة الحقّ المطلق مع كل طلعاتها و نزلتها. *فلا تغرّكم الثقافة الغربية المزيفة بصولاتها و جولاتها و بجبروتها و بالتكنولوجيا و علومها لكي تظنوا انها احكمت قبضتها على الدنيا من غير رجعة. *فإذا كان المقدس مقدسا سوف يتكلم كلمته الحاسمة و الفاصلة.*
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة
https://t.me/M_Civilization #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
