عندنا نسمي الساقطة الرخيصة ساقطة و نسمي المكلفة بالفنانة

*عندما نُسمّي الساقطةَ الرخيصةَ ساقطةً… ونُسمّي الغاليةَ فنانة* في ثقافتنا العامة، كثيرًا ما تُدان السرقات الكبرى، والنهب الفاضح، والرشاوى الضخمة، وتُستحضر لها النصوص الشرعية والقانونية، ويُجمع الناس – نظريًا على الأقل – على تحريمها وفسادها.

لكن في المقابل، ثمة مساحة واسعة من الاستغلالات الصغيرة التي تسللت بهدوء إلى الحياة العامة، حتى أصبحت مألوفة، بل أحيانًا مبرَّرة تحت عناوين «الذوق»، و«الحياء»، و«تبادل المعروف»، و«الشطارة»، و«الحنكة في إدارة الموقع».

فنحن نشدد على الفساد حين يكون فاضحًا، ونلين معه حين يكون مغطّى بالألقاب،

تمامًا كما نُسمّي الساقطة الرخيصة ساقطة،

ونُسمّي الساقطة الغالية فنانة.

وهنا مكمن الخطر.

أولًا: الاستغلال بالموقعية لا بالسطو

نحن لا نتكلم هنا عن ثروات منهوبة، ولا عن أبنية مسروقة، ولا عن حصص مالية غير قانونية أو غير شرعية.

بل عن استغلال الموقع والمكانة والمسؤولية لتحقيق مصالح شخصية عادية وصغيرة، لكنها متكررة، ومؤسِّسة لفسادٍ ناعمٍ وعميق.

*استغلالات لا تُؤخذ بالقوة، بل: تُؤخذ حياءً أو تُمرَّر مجاملة أو تُفرض بثقل المنصب أو تُنتزع بالعلاقة والوجاهة وهي – في ميزان الحق – كالمأخوذ غصبًا، وإن اختلف الشكل.*

 

ثانيًا: صور شائعة للاستغلالات الصغيرة

من أبرز ما بات مألوفًا عند بعض المسؤولين، والقضاة، والقضاة الشرعيين، ومقدمي الخدمات العامة:

تبادل المصالح والمنافع

حيث لا تُقضى الحاجة لوجه الله أو لحق الناس، بل لأن «الطرف الآخر نافع»، اليوم أو غدًا.

فتتحول الوظيفة من أمانة إلى شبكة علاقات.

أخذ الحسومات والتسهيلات الخاصة

باسم المنصب، أو المكانة، أو «المعرفة»، وكأن الموقع الوظيفي بطاقة تخفيض مفتوحة على حساب العدالة والمساواة.

الهدايا غير البريئة

التي تُقدَّم «حياءً»، وتُقبل «استحياءً»، مع علم الطرفين أن الهدية ليست بريئة، وأنها مرتبطة بالموقع لا بالمحبة.

التقرب من أرباب الرجوع في غير موضوع المراجعة

كأن يستغل المسؤول حاجة المراجع ليطالبه بخدمة شخصية، أو يفتح معه بابًا لا علاقة له بموضوعه الأصلي.

الضغط المعنوي أو الاجتماعي على المراجع

لا لإنجاز حقه، بل لإحراجه، أو توجيهه، أو تحميله ما لا يلزمه، مستفيدًا من ضعف موقعه أمام السلطة.

 

ثالثًا: حين يصبح الحرام «شطارة»

المشكلة الكبرى أن هذه الاستغلالات الصغيرة لم تعد تُرى كفساد، بل كـ:

شطارة

فهلوية

حنكة إدارية

حسن استثمار للموقع

وهنا يتحول الحرام إلى عرف،

والاستغلال إلى مهارة،

والذنب إلى ممارسة وظيفية طبيعية.

 

*أخطر ما في الأمر… التطبيع*

نعم، الاستغلالات الكبرى، والنهب الواسع، والفساد الفاضح، لها مقام آخر عند الله، وقد تنقل الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر العملي والاعتقادي.

لكن الخطر الحقيقي، والأوسع انتشارًا، هو الاستغلال الصغير للموقعية؛

ذلك الذي نستهين به، ونبرّره، ونُلبسه لباس الحياء أو العرف أو «ماشي الحال».

الأخطر من الفساد نفسه،

هو اعتبار كثير من الفساد والذنوب أمورًا عادية،

بحجة أنها:

متعلقة بالوظيفة

أو ناتجة عن الشغل

أو من «طبيعة الموقع»

أو مما «يفعله الجميع»

وهنا لا يعود الحرام صادمًا،

ولا الذنب مُقلقًا،

بل يصبح جزءًا من الوصف الوظيفي.

فهذا النوع من الفساد:

يفسد الضمائر قبل الأنظمة

ويهدم العدالة قبل القوانين

ويقتل الإيمان الصامت قبل أن يُعلن الكفر الصريح

وعندما نغيّر أسماء الأشياء،

فنُجمّل القبيح إذا كان مربحًا،

ونُبرّر الحرام إذا كان مريحًا،

نكون قد انتقلنا من خطأ في السلوك…

إلى خللٍ في الميزان.

كيف اذا كررنا أن الحلال لا يدوم فكيف بالحرام

 

العلوم الإنسانية الإسلامية

#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة

https://t.me/M_Civilization  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

عندنا نسمي الساقطة الرخيصة ساقطة…

*عندما نُسمّي الساقطةَ الرخيصةَ ساقطةً… ونُسمّي الغاليةَ فنانة* في ثقافتنا العامة، كثيرًا…

سمات الحضارة العالمية القادمة

*سمات الحضارة العالمية القادمة* محمد كوراني، يشهد العالم المعاصر مرحلة تاريخية حرجة…

الخير فيما وقع (الجزء الثاني)

*الخيرُ فيما وقع (الجزء الثاني)* محمد كوراني، لم تعد خطورة النخبة المالية…

مقالات إضافية

عندنا نسمي الساقطة الرخيصة ساقطة…

*عندما نُسمّي الساقطةَ الرخيصةَ ساقطةً… ونُسمّي الغاليةَ فنانة* في ثقافتنا العامة، كثيرًا…

سمات الحضارة العالمية القادمة

*سمات الحضارة العالمية القادمة* محمد كوراني، يشهد العالم المعاصر مرحلة تاريخية حرجة…

الخير فيما وقع (الجزء الثاني)

*الخيرُ فيما وقع (الجزء الثاني)* محمد كوراني، لم تعد خطورة النخبة المالية…