نهاية الدولة في العصر الحديث

*نهاية الدولة في العصر الحديث*

يشهد العالم في العقود الأخيرة تحوّلات جذرية غير مسبوقة في بنيته السياسية والاقتصادية والثقافية، تقودها الثورة التكنولوجية المتسارعة، ولا سيّما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والاتصال، والاقتصاد الرقمي. هذه التحولات لم تعد مجرّد أدوات مساعدة للدول، بل تحوّلت إلى عنصر مصيري في الصراع على قيادة العالم وصياغة مستقبله. وفي هذا السياق، بات من الضروري إعادة النظر في مفهوم الدولة، وحدود قدرتها، ومعنى البقاء والوجود في العصر الحديث.

 

*التكنولوجيا كعامل حاسم في الصراع الوجودي*

لم تعد الصراعات المعاصرة تُدار فقط عبر الجيوش والأسلحة التقليدية، بل أصبحت التكنولوجيا هي الحقل المركزي للصراع العالمي. من يمتلك القدرة التكنولوجية يمتلك أدوات السيطرة على الاقتصاد، والإعلام، والثقافة، وحتى الوعي الجمعي. ووفقًا لما يُعرف بـ رؤى 2030 المتعددة عالميًا، فإن أي دين أو ثقافة أو حضارة تطمح لأن يكون لها موطئ قدم في “العالم الجديد”، عليها أن تخوض معركة بقاء وجودية، لا تقل شراسة عن الحروب العسكرية الكلاسيكية.

 

*البقاء بين الدولة والتحالف*

إن معركة البقاء هذه لا يمكن خوضها عبر الأفراد، ولا حتى عبر دولة منفردة. فالفرد في النظام العالمي الراهن فاقد لأي قدرة حقيقية على إحداث تغيير بنيوي، والدولة الوطنية، حتى لو كانت قوية داخليًا، أصبحت عاجزة عن مواجهة التكتلات العابرة للقارات. من هنا، لم يعد مفهوم السيادة التقليدية كافيًا، بل برزت الحاجة إلى قوى إقليمية وتحالفات استراتيجية قادرة على توجيه الموارد، وتوحيد القرار، وبناء منظومات تكنولوجية وثقافية مستقلة.

 

*وهم الحركات العبثية المعزولة*

في هذا الإطار، يمكن قراءة بعض الحركات التي نشهدها اليوم في العالم الإسلامي، ولا سيما تلك التي تنطلق من فائض أموال النفط دون مشروع حضاري أو ثقافي متكامل. هذه الحركات مثلا خطوات الامارات في ليبيا، السودان، جنوب اليمن و حضرموت و صومالي لاند و… ، رغم ضجيجها الإعلامي، لا تمثّل سوى حركات مبتورة، تفتقر إلى العمق العقائدي والرؤية الاستراتيجية، وتُشبه في نتائجها الحركات الداعشية من حيث الأثر التدميري، وإن اختلفت الأدوات. والنتيجة واحدة: تفكيك المجتمعات الإسلامية واستنزافها بدل تمكينها.

تفكك التأثير الفردي والدولتي

في العصر الحديث:

الأفراد بلا تأثير حقيقي في مسار الصراع العالمي.

الدولة الواحدة لم تعد قادرة على فرض نفسها.

القوة الإقليمية فقط هي القادرة على إنتاج تأثير فعلي ومستدام.

هذا الواقع دفع القوى المعادية إلى اعتماد استراتيجيات أكثر نعومة وخطورة، عبر التدخل المباشر في المجالات الثقافية والتربوية والإعلامية في دول العالم الثالث، تحت شعارات براقة مثل “رفض التباينات”، و“مكافحة التعصّب”، و“تعزيز التعايش” و “السلام العالمي”، بينما الهدف الحقيقي هو إعادة تشكيل الوعي والثقافة بما يخدم مصالحهم.

 

*استهداف الثقافة والعصبية*

اليوم، تتعرض كل أشكال العصبية الثقافية والدينية، والفولكلور، والطقوس، والرموز، لحملة تفكيك ممنهجة. وهذه العناصر ليست مظاهر تخلف كما يُروّج، بل هي مكوّنات أساسية للصمود والهوية. ومن منظور ثقافي – يسبق العسكري والسياسي والتكنولوجي – فإن أي جماعة تريد الحفاظ على وجودها، عليها أن تحافظ على عصبيتها الدينية والعقيدية بوصفها شرطًا للبقاء في هذه المعركة الوجودية.

*القضية الشيعية*

في ظل هذه الظروف، نشهد بروز نظرية ولاية الفقيه داخل البيئة الشيعية، ليس بوصفها مجرّد نظرية فقهية، بل كإطار تعبوي-سياسي في معركة البقاء والوجود. ومن هذا المنطلق، فإن محاربتها أو تفكيكها يخدم أعداء الوجود الشيعي، لا العكس. بل إن أي نظرية أو فكرة أو مشروع يعزّز العصبية والوحدة الشيعية يجب دعمه، حتى لو اتّسم بطابع شعبوي، أو تعارض مع مقاييس المثقفين والنخب التقليدية.

إن نهاية الدول في العصر الحديث لا تعني اختفاء الكيانات السياسية، بل تعني انتهاء قدرتها المنفردة على الفعل. العالم يتجه نحو منظومات كبرى، وتحالفات إقليمية، وهويات متماسكة قادرة على الصمود. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على الهوية الثقافية والعقيدية، وبناء القوة الإقليمية، شرطًا لا بديل عنه للبقاء في عالم لا يرحم الضعفاء، ولا يعترف إلا بمن يملك أدوات الوجود. بل اي نظرية و خطوة و  تزيد العصبية والوحدة الشيعية يجب ان ندعمها حتى اذا كانت فكرة شعبوية، تناقض قيم المثقفين و النخب الاجتماعية. بل النظريات الاسلامية و الدينية والفكرية يجب ان تفسر من هذا المنطلق.

العلوم الإنسانية الإسلامية

#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة

https://t.me/M_Civilization  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

نظرية الطاحونة في علم الإدارة

*نظرية الطاحونة: لماذا العبرة في التأسيس لا في الإدارة؟* ليست المشكلة الكبرى…

الفرق بين فرعوننا و فرعونهم

الفرق بين فرعوننا وفرعونهم،  حين نقرأ قصة الفرعون في القرآن والتاريخ، يتبادر…

*العبادات المزيفة في عصر الادعاءات…

*عبادة مزيفة في عصر الادّعاءات الخادعة* نعيش في هذا العصر ظاهرة دينية…

مقالات إضافية

نظرية الطاحونة في علم الإدارة

*نظرية الطاحونة: لماذا العبرة في التأسيس لا في الإدارة؟* ليست المشكلة الكبرى…

الفرق بين فرعوننا و فرعونهم

الفرق بين فرعوننا وفرعونهم،  حين نقرأ قصة الفرعون في القرآن والتاريخ، يتبادر…

*العبادات المزيفة في عصر الادعاءات…

*عبادة مزيفة في عصر الادّعاءات الخادعة* نعيش في هذا العصر ظاهرة دينية…