نظرية الطاحونة في علم الإدارة

*نظرية الطاحونة: لماذا العبرة في التأسيس لا في الإدارة؟*

ليست المشكلة الكبرى في إدارة الأشياء، بل في الوهم السائد بأن الإدارة بحد ذاتها إنجاز.
في الواقع، إدارة أي منظومة ليست أمرًا معقّدًا متى كانت القواعد محددة سلفًا، والمسار مرسومًا، والتوازنات محفوظة. الصعوبة الحقيقية، والإنجاز التاريخي الفاصل، يكمنان في التأسيس، الثورة على القواعد السابقة و تأسيس نظام جديد: أي في لحظة كسر القواعد وبناء قواعد جديدة.

أولًا: مجاز الطاحونة
تخيّل طاحونة مربوطة بحمار معصوب العينين، يوضع أمامه العلف، فيمشي ويدور بلا توقف.
الطاحونة تعمل، الإنتاج مستمر، والنظام يبدو ناجحًا.
لكن:
الحمار لا يعرف لماذا يدور.
لا يفهم ماذا ينتج.
ولا يملك خيار التوقف أو تغيير الاتجاه.
ومع ذلك، هو “يدير” الطاحونة بكفاءة.

هذه الصورة تختصر جوهر الإشكالية:
الإدارة فعل آلي داخل نظام مُؤسَّس مسبقًا، لا دليل عبقرية ولا عظمة.

غريزة البقاء والتي موجودة عند الحيوانات ، كفيلة في الانسان بأن يقوم بإدارة اي منظومة معقدة تدر له معاشه ولي تأسيس المنظومات بعد الانقلاب على المنظومات ، خاصة في العصر الحاضر، عصر هيمنة الديجيتال و الاي تي، تشكل تحدي حقيقي.

*ثانيًا: الفرق الجوهري بين الإدارة والتأسيس*

الإدارة تعني: الحفاظ على التوازن القائم.
احترام القواعد المتفق عليها.
منع الانهيار لا أكثر.
أما التأسيس فيعني:
التشكيك في القواعد نفسها.
كسر المسارات المفروضة.
إعادة تعريف ما هو “طبيعي” و”مسموح”.
ولهذا فإن التأسيس فعل صدامي بالضرورة، بينما الإدارة فعل توفيقي.

*ثالثًا: لماذا تُقدَّس الإدارة ويُسخف التأسيس؟*
لأن النظام الدولي، كما أي منظومة قوة، يفضّل:
استقرارًا يمكن توقعه.
لاعبين يلتزمون بالقواعد.
“مديرين” لا “مؤسسين”.
أما من يكسر القواعد:
فيُتهم بالفوضوية.
أو بالجنون.
أو بتهديد النظام العالمي.
لكن المفارقة أن كل نظام قائم اليوم هو نتيجة كسر قواعد سابقة.
رابعًا: الدليل التاريخي المتكرر
التاريخ لا يتقدم بالإدارة، بل بالقفزات:
لم تتغير موازين العالم لأن أحدهم أدار نظامًا قديمًا بشكل أفضل،
بل لأن آخرين كسروا القواعد التي كانت تُعدّ مقدسة.
كل انتقال حضاري:
سبقه عصيان فكري.
وتحدٍّ للأعراف.
ورفض للمنطق السائد.
التأسيس هو لحظة اللاعقلانية الظاهرية التي تصنع عقلانية جديدة.

*خامسًا: كسر القواعد في مواجهة الفوضى المعاصرة*
حين يظهر نموذج سياسي فوضوي، شعبوي، متقلّب، يتصرّف بلا احترام للقواعد التقليدية، فإن التمسك الأعمى بالقواعد القديمة لا يؤدي إلى ضبطه، بل إلى العجز أمامه.
الواقع يقول: من يكسر القواعد لا يُواجه بمن يحترمها حرفيًا،
بل بمن يملك الجرأة على إعادة صياغتها أو تجاوزها.
التمسك بقواعد نظام لم يعد يعترف بها خصمك، هو شكل من أشكال السذاجة السياسية.

*سادسًا: مفارقة “الجنون المنظّم”*
حين يتصرّف طرف ما بجنون محسوب:
يربك المؤسسات.
ينسف الأعراف.
ويحوّل السياسة إلى صدمة دائمة.
فإن الردّ العقلاني ليس الدفاع عن القواعد كأنها نصوص مقدسة،
بل امتلاك قدرة موازية على كسر القواعد عند الحاجة.
ليس تقليد الجنون،
بل تحرير الفعل السياسي من قيود لم تعد تحكم الواقع.
سابعًا: الإدارة لا تُنتج مستقبلًا
الإدارة:
تُبقي النظام حيًا.
لكنها لا تخلق أفقًا جديدًا.
أما التأسيس:
فيفتح مسارات غير متوقعة.
ويخلق واقعًا جديدًا يُجبر الآخرين على التكيّف معه.
ولهذا:
المدير الجيد يصلح للأوقات الهادئة،
أما المؤسس فيُستدعى في لحظات الانفجار التاريخي.

الخلاصة: العودة إلى نظرية الطاحونة
إذا كان:
الحمار المعصوب العينين قادرًا على إدارة الطاحونة،
وإذا كانت العجلة تدور وحدها ما دام المسار مرسومًا،
فإن العظمة لا تُقاس بمن يدير الدوران،
بل بمن يملك الشجاعة على كسر الدائرة.
التأسيس هو الفعل الذي يغيّر اللعبة،
والإدارة هي مجرد لعب داخلها.
وفي عالم تتكسر فيه القواعد فعلًا،
لا خلاص بالتمسك بقواعد لم تعد تحكم أحدًا.

لذلك نجد مصطلحات مثل مسلمة بعد الفتح أو الايمان بعد ظهور الحق و …

العلوم الإنسانية الإسلامية


#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة
https://t.me/M_Civilization  #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

نظرية الطاحونة في علم الإدارة

*نظرية الطاحونة: لماذا العبرة في التأسيس لا في الإدارة؟* ليست المشكلة الكبرى…

الفرق بين فرعوننا و فرعونهم

الفرق بين فرعوننا وفرعونهم،  حين نقرأ قصة الفرعون في القرآن والتاريخ، يتبادر…

*العبادات المزيفة في عصر الادعاءات…

*عبادة مزيفة في عصر الادّعاءات الخادعة* نعيش في هذا العصر ظاهرة دينية…

مقالات إضافية

نظرية الطاحونة في علم الإدارة

*نظرية الطاحونة: لماذا العبرة في التأسيس لا في الإدارة؟* ليست المشكلة الكبرى…

الفرق بين فرعوننا و فرعونهم

الفرق بين فرعوننا وفرعونهم،  حين نقرأ قصة الفرعون في القرآن والتاريخ، يتبادر…

*العبادات المزيفة في عصر الادعاءات…

*عبادة مزيفة في عصر الادّعاءات الخادعة* نعيش في هذا العصر ظاهرة دينية…