*رأفة بالإنسان لا تجعلوه مركز الكون*

*رأفة بالإنسان لا تجعلوه مركز الكون* – محمد كوراني، ٢٠٢٦.٠٨.١٤  – نحو إعادة بناء العلوم الإنسانية من الاعتراف بحقيقة الإنسان أمام الكون كله.

تقوم نسبة كبيرة من مباحث العلوم الإنسانية الحديثة على جعل الإنسان موضوعًا مركزيًا للمعرفة: علم النفس يدرس الإنسان وسلوكه، وعلم الاجتماع يدرس الإنسان داخل الجماعة، والاقتصاد يدرس اختياراته وحاجاته، والعلوم السياسية تدرس السلطة والمؤسسات، والأنثروبولوجيا تدرس الإنسان وثقافاته، والفلسفة الإنسانية الحديثة و هذا أمر جيد و طبيعي.

هذا التركيز على الإنسان ليس خطأ في ذاته؛ بل هو ضرورة علمية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول «الإنسان موضوعًا للبحث» إلى «الإنسان معيارًا نهائيًا للحقيقة»، وعندما يتحول مركزية الإنسان المنهجية إلى مركزية أنطولوجية مطلقة، فيصبح الإنسان وكأنه الأصل الذي تُفسَّر الأشياء كلها انطلاقًا منه، بدل أن يكون هو نفسه موضوعًا يحتاج إلى تفسير.

وهنا يظهر سؤال أكثر عمقًا:

ماذا يحدث للعلوم الإنسانية إذا أخذت الإنسان نفسه موضوعًا للمعرفة، بكل حياد، ولم تفترض مسبقًا أنه مكتفٍ بذاته؟

قد تكون النتيجة مختلفة جذريًا.

أولًا: المشكلة ليست في دراسة الإنسان، بل في افتراض كفايته

من الناحية العلمية والعقلية، لا يوجد اعتراض على أن يكون الإنسان محور العلوم الإنسانية؛ فهو موضوعها المباشر.

لكن هناك فرقًا بين قضيتين:

الأولى: الإنسان موضوع أساسي للعلوم الإنسانية.

والثانية: الإنسان هو مركز الوجود، ومصدر القيمة، والمرجع النهائي للحقيقة.

الأولى منهجية.

أما الثانية فهي إدعاء فلسفي وأنطولوجية تحتاج إلى برهان.

فالعلوم الإنسانية تستطيع أن تقول لنا كيف يتصرف الإنسان، وكيف يتعلم، وكيف تتكون شخصيته، وكيف تتشكل المجتمعات، وكيف تؤثر البيئة والثقافة والاقتصاد في سلوكه.

لكنها لا تستطيع، بمجرد وصف هذه الظواهر، أن تستنتج أن:

الإنسان هو الحقيقة النهائية في الوجود.

بل إن دراسة الإنسان بصرامة علمية قد تقود إلى نتيجة معاكسة تمامًا: الإنسان كائن شديد الاعتماد على غيره.

 

*ثانيًا: العلم الحديث نفسه كشف هشاشة الإنسان*

كلما ازدادت العلوم الإنسانية دقة، تراجع التصور الساذج عن الإنسان بوصفه سيدًا مستقلًا وعقلًا مكتفيًا بذاته.

فالإنسان يولد عاجزًا عن الاستقلال.

ويحتاج إلى الوالدين.

ويحتاج إلى اللغة التي لم يخترعها.

ويحتاج إلى المجتمع.

ويحتاج إلى التعليم.

ويحتاج إلى الثقافة.

ويحتاج إلى الغذاء والماء والهواء.

ويحتاج إلى البيئة الطبيعية.

ويحتاج إلى المعرفة التي ينتجها الآخرون.

بل إن جزءًا كبيرًا من قراراته النفسية والسلوكية يتأثر بعوامل لا يعيها بصورة كاملة.

وهنا قدمت العلوم الإنسانية الحديثة سلسلة طويلة من الاكتشافات التي نزعت عن الإنسان وهم الشفافية الكاملة تجاه ذاته.

فسيغموند فرويد، مثلًا، جعل اللاوعي عنصرًا أساسيًا في فهم الإنسان، وأظهر أن الإنسان ليس سيدًا مطلقًا على حياته النفسية.

ثم جاءت مدارس علم النفس الاجتماعي لتبين حجم تأثير الجماعة والبيئة والتوقعات الاجتماعية في السلوك.

وجاء علم الاقتصاد السلوكي ليطعن في صورة الإنسان الاقتصادي العقلاني بالكامل.

وأظهرت أبحاث علم النفس المعرفي أن الإنسان يقع بصورة منهجية في أخطاء وانحيازات معرفية.

وهكذا يمكن أن نلاحظ مفارقة مهمة:

كلما ازدادت معرفتنا بالإنسان، ازدادت معرفتنا بحدوده.

وهذه ليست هزيمة للإنسان؛ بل هي بداية المعرفة الحقيقية به.

 

*ثالثًا: فرويد وسقوط وهم الإنسان الشفاف لنفسه*

 

كان من أهم التحولات في تاريخ العلوم الإنسانية الحديثة اكتشاف أن الإنسان لا يعرف دوافعه كلها معرفة مباشرة.

ففي التحليل النفسي، أصبح اللاوعي عنصرًا أساسيًا لفهم السلوك الإنساني.

وبصرف النظر عن مدى قبولنا لجميع نظريات فرويد اليوم، فإن الأثر الفلسفي لفكرة اللاوعي بالغ الأهمية:

الإنسان ليس شفافًا بالكامل لنفسه.

وهذا يضع حدًا مهمًا أمام أي تصور متعجرف للإنسان باعتباره العقل الذي يعرف ذاته والعالم معرفة كاملة.

فإذا كان الإنسان لا يعرف حتى كل دوافعه الداخلية، فكيف يمكن أن يكون هو المعيار المطلق للحقيقة؟

 

*رابعًا: علم النفس المعرفي: العقل نفسه محدود*

 

جاءت أبحاث علم النفس المعرفي لتقدم صورة أكثر تعقيدًا.

فالإنسان لا يستقبل الواقع كما هو بصورة محايدة تمامًا، بل يعتمد على آليات معرفية محدودة، ويستخدم الاختصارات الذهنية، ويتأثر بالسياق، وقد يقع في انحيازات متكررة.

وأصبح من المفاهيم المهمة في هذا المجال مفهوم الحدود المعرفية للإنسان.

وهذا يعني أن العقل البشري، رغم قدرته الاستثنائية، ليس عقلًا مطلقًا.

إنه عقل:

محدود المعلومات؛

محدود الوقت؛

محدود القدرة على الحساب؛

قابل للخطأ؛

قابل للتأثر؛

وقابل لإعادة تشكيل نفسه.

ومن هنا جاء مفهوم Bounded Rationality – العقلانية المحدودة عند هربرت سايمون.

فالإنسان لا يتخذ دائمًا القرار الأمثل بعد حساب كل الاحتمالات، لأنه ببساطة لا يمتلك القدرة المعرفية الكاملة على ذلك.

وهنا تظهر نتيجة فلسفية مهمة:

العقل الذي يحتاج إلى الاعتراف بحدوده هو عقل أكثر عقلانية من العقل الذي ينكر حدوده.

 

*خامسًا: الاقتصاد السلوكي هدم صورة الإنسان العقلاني الكامل*

 

في الاقتصاد التقليدي ظهر نموذج Homo economicus: الإنسان الذي يتصرف بصورة عقلانية لتحقيق مصالحه.

لكن الاقتصاد السلوكي، خصوصًا من خلال أعمال دانيال كانيمان وعاموس تفيرسكي، أظهر أن البشر يرتكبون أخطاء وانحيازات منتظمة في اتخاذ القرارات.

فالإنسان لا يتصرف دائمًا باعتباره آلة حساب مثالية.

وهذا الاكتشاف مهم جدًا بالنسبة إلى العلوم الإنسانية.

فإذا كان الإنسان:

محدود المعرفة + محدود الحساب + متأثرًا بالسياق + قابلًا للخطأ

فإن بناء فلسفة كاملة للوجود على أساس أن «الإنسان هو المرجع النهائي» يصبح بحاجة إلى مراجعة لأنه أمر بغاية الخطورة.

 

*سادسًا: داروين أزال استثناء الإنسان من الطبيعة*

 

ثم جاء التحول الدارويني ليضع الإنسان داخل التاريخ الطبيعي للحياة.

وهنا حدث انقلاب هائل في التصور الغربي للإنسان.

فالإنسان لم يعد يُدرس بوصفه كائنًا منفصلًا تمامًا عن بقية الكائنات الحية، بل بوصفه جزءًا من تاريخ بيولوجي طويل.

وبصرف النظر عن النقاشات الفلسفية والدينية حول بعض جوانب التطور، فإن الدرس الإنساني هنا واضح:

الإنسان ليس كائنًا مكتفيًا عن الطبيعة.

إنه يعتمد على منظومة بيئية هائلة لا يستطيع الاستغناء عنها.

الغذاء، الماء، الأكسجين، المناخ، التربة، النباتات، الحيوانات، الكائنات المجهرية، ودورات الطبيعة كلها شروط لوجوده.

إذن حتى الإنسان الذي يظن أنه «سيد الطبيعة» لا يستطيع أن يعيش خارج شبكة من العلاقات التي لم يصنعها بنفسه. تخيلوا ستيفن هوكينغ المقعد في دوامة نظرية داروين !؟

 

*سابعًا: علم الاجتماع كشف أن الإنسان لا يصنع نفسه وحده*

 

أحد أهم دروس علم الاجتماع أن الإنسان ليس فردًا منعزلًا يأتي إلى العالم ثم يبني نفسه بنفسه.

إميل دوركايم، وماكس فيبر، وبيير بورديو، وغيرهم، درسوا كيف تتشكل أفعال الإنسان داخل شبكات اجتماعية وثقافية ورمزية.

وبورديو خصوصًا أظهر أهمية مفهوم الهابيتوس Habitus: أي أن الإنسان يحمل داخله أنماطًا من الإدراك والتصرف تتكون عبر تاريخ اجتماعي طويل.

فالإنسان يظن أحيانًا أنه يختار بحرية مطلقة، بينما تكون اختياراته متأثرة بتاريخه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.

وهكذا يصبح السؤال:

من أنا؟

أكثر تعقيدًا مما يبدو.

 

*ثامنًا: الأنثروبولوجيا كسرت وهم النموذج الإنساني الواحد*

 

أظهرت الأنثروبولوجيا الحديثة أن الإنسان يعيش في أشكال هائلة من التنظيمات والثقافات والرموز والقيم.

وهذا أدى إلى إدراك أن كثيرًا مما يعتبره مجتمع معين «طبيعيًا» قد يكون في الحقيقة نتاجًا تاريخيًا وثقافيًا.

وهنا تظهر ضرورة التواضع المعرفي.

فالإنسان لا يرى العالم من «نقطة صفر» محايدة، بل من داخل لغة وثقافة وتاريخ ومجتمع.

وبالتالي:

حتى الطريقة التي يفكر بها الإنسان في الحقيقة تتأثر جزئيًا بالمكان الذي ولد فيه والزمن الذي عاش فيه.

 

*تاسعًا: المفارقة الكبرى: العلم الذي يدرس الإنسان يكشف فقره*

 

إذا جمعنا هذه الاكتشافات نجد صورة شديدة الدلالة:

الإنسان عاقل، لكنه ليس عقلًا مطلقًا.

الإنسان حر، لكنه يتأثر بعوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية وثقافية.

الإنسان يعرف، لكنه يخطئ.

الإنسان يختار، لكنه لا يختار شروط وجوده الأولى.

الإنسان يصنع الحضارة، لكنه يولد داخل حضارة سبقت وجوده.

الإنسان يكتشف قوانين الطبيعة، لكنه لا يضع هذه القوانين.

الإنسان يستخدم الكون، لكنه لا يستطيع خلق الشروط الأساسية لوجوده.

والإنسان يفكر في الحقيقة، لكنه ليس هو الذي خلق الحقيقة.

وهنا يظهر مفهوم يمكن تسميته فلسفيًا:

Epistemic Humility — التواضع المعرفي

أي أن يعرف العقل حدود معرفته.

وهذا ليس ضعفًا للعقل، بل أحد شروط نضجه.

 

*عاشرًا: ماذا لو أخذنا هذه النتيجة إلى نهايتها الفلسفية؟*

 

هنا تبدأ النقطة التي يمكن أن تضيفها الرؤية الإسلامية إلى العلوم الإنسانية.

إذا اكتشفنا أن الإنسان:

حادث، محدود، متغير، محتاج، فقير، غير مكتفٍ بذاته

فمن المشروع فلسفيًا أن نسأل:

إلى ماذا يشير هذا الفقر؟

الفقر ليس مجرد صفة اقتصادية.

فالإنسان فقير وجوديًا:

هو لم يمنح نفسه وجوده.

ولم يختر جسده.

ولم يختر زمن ولادته.

ولم يختر قوانين الطبيعة التي تحكمه.

ولم يخلق العقل الذي يفكر به.

ولم يخلق الحقيقة التي يبحث عنها.

وليس لديه احاطة على باقي العوالم. والافتقار هنا في أصل الوجود.

 

*الحادي عشر: «الإنسان محور الدراسة» لا يعني «الإنسان أصل الوجود»*

 

وهنا يمكن للعلوم الإنسانية الإسلامية أن تقدم تصحيحًا منهجيًا مهمًا.

يمكن أن نقول:

اجعل الإنسان محور الدراسة، ولكن لا تجعله محور الوجود بالضرورة.

ادرس الإنسان كما هو.

ادرس ضعفه.

ادرس خوفه.

ادرس حاجته.

ادرس غرائزه.

ادرس جهله.

ادرس أخطاءه.

ادرس قدرته على التعلم.

ادرس قدرته على تجاوز نفسه وعقله.

ادرس حاجته إلى الحب والمعنى.

ادرس بحثه الدائم عن الحقيقة.

ثم اسأل السؤال الذي ربما يتوقف عنده النموذج المادي:

لماذا هذا الكائن المحدود يملك توقًا إلى المطلق؟

لماذا يبحث الإنسان عن الحقيقة الكاملة؟

لماذا يبحث عن العدالة المطلقة؟

لماذا يتوق إلى الخير الكامل؟

لماذا يرفض الموت؟

لماذا يبحث عن معنى يتجاوز حياته الفردية؟

هذه الأسئلة لا تُحل كلها بمجرد وصف السلوك.

فمعرفة النفس ليست فقط معرفة الشخصية والذكريات والدوافع. إنها أيضًا:

معرفة حقيقة الإنسان الوجودية.

أن يعرف الإنسان أنه:

ليس مطلقًا، وليس مستقلًا، وليس أزليًا، وليس كاملًا، وليس مصدر الحقيقة.

وأن يعرف في المقابل أنه:

حادث، محدود، متغير، فقير، محتاج، وقابل للكمال.

وهذا النوع من معرفة النفس يمكن أن يقود إلى معرفة أعمق بمصدر وجودها.

 

*الثاني عشر: التواضع ليس ضد تطوير الإنسان؛ بل شرطه*

 

هناك سوء فهم شائع للتواضع.

التواضع لا يعني أن يحتقر الإنسان نفسه.

ولا يعني أن يتوقف عن العلم.

ولا يعني أن يقبل الجهل.

بل يمكن أن يكون العكس تمامًا.

الإنسان الذي يعرف أنه ناقص يصبح أكثر استعدادًا للتعلم وللحقيقة.

والإنسان الذي يعتقد أنه وصل إلى الحقيقة النهائية يغلق باب التعلم ويمارس التقرب الى الحقيقة الكاملة.

ولهذا فإن الاعتراف بالنقص يمكن أن يكون قوة معرفية.

فالعالم الحقيقي يقول:

ربما أكون مخطئًا.

والباحث الحقيقي يقول:

ما حدود معرفتي؟

والفيلسوف الحقيقي يسأل:

ما الذي يجعل الحقيقة حقيقة؟

والإنسان العارف يسأل:

من أنا؟ وما مصدر وجودي؟ وما الغاية من وجودي؟

وهنا تتحول العلوم الإنسانية من مجرد دراسة الإنسان إلى مشروع لتكميل الإنسان. فبذلك العلوم الانسانية الاسلامية يكون طريقنا نحو علوم إنسانية أكثر تواضعًا

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات،…

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات، نخب التمويل، ونقطة تحول الشرق الأوسط”* محمد…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة الإنسان: نحو إعادة تأسيس العلوم الإنسانية* محمد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد التجليات: قراءة عرفانية في نقد النسبية في…

مقالات إضافية

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات،…

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات، نخب التمويل، ونقطة تحول الشرق الأوسط”* محمد…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة الإنسان: نحو إعادة تأسيس العلوم الإنسانية* محمد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد التجليات: قراءة عرفانية في نقد النسبية في…