*القوانين الإلهية والقوانين البشرية في خطة إنقاذ الكون* محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٩.١٢
عندما تواجه البشرية كارثة عامة، أو حرباً شاملة، أو انهياراً اقتصادياً، أو أزمة بيئية، أو تفككاً اجتماعياً، أو انتشاراً واسعاً للفقر والجوع والمرض، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: ما القانون الذي نستطيع وضعه لمعالجة هذه المشكلة؟ بل ينبغي أن نسأل قبل ذلك: من أين نستمد القانون الذي سيقود عملية الإنقاذ؟ وما هو تصورنا للإنسان والكون والحياة الذي نبني عليه هذا القانون؟
هنا يظهر الفرق الجوهري بين القانون الإلهي والقانون البشري. فالقانون البشري يصدر عن عقل الإنسان وخبرته ومؤسساته السياسية والاجتماعية، ولذلك يبقى مرتبطاً بحدود المعرفة البشرية، وبالظروف التاريخية، وبمصالح الجماعات التي تملك القدرة على صياغته وتطبيقه. أما القانون الإلهي فينطلق من علم الله بالإنسان والكون، وبحاجات الإنسان الظاهرة والخفية، وبالعلاقات العميقة بين الفرد والمجتمع والطبيعة والمادة والروح، ولذلك لا ينظر إلى الكارثة باعتبارها حادثاً منفصلاً يحتاج إلى إجراء إداري عاجل فحسب، بل باعتبارها قد تكون نتيجة اختلال في منظومة أوسع من السنن والقيم والعلاقات.
وهذا لا يعني أن كل قانون بشري باطل، ولا أن المؤسسات البشرية لا قيمة لها. فالإنسان يحتاج إلى التشريع والتنظيم والإدارة والقضاء والخبرة العلمية. ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول القانون البشري من أداة لتنظيم الحياة إلى مرجعية مطلقة لتحديد الخير والشر والغاية النهائية للوجود.
*القانون البشري يعالج الظاهرة، والقانون الإلهي يبحث في أصل الاختلال*
قد يستطيع الإنسان أن يضع قانوناً لمنع التلوث، وآخر لتنظيم الأسواق، وثالثاً لحماية الفقراء، ورابعاً لمنع الحروب، وخامساً لتنظيم استعمال التكنولوجيا. وهذه كلها أمور ضرورية.
لكن السؤال الأعمق هو: لماذا وصل الإنسان أصلاً إلى مرحلة أصبح فيها محتاجاً إلى كل هذه القوانين لمنع نفسه من تدمير حياته؟
القانون البشري غالباً ما يبدأ من المشكلة الظاهرة، فيضع قاعدة لمعالجتها. أما المنظومة الإلهية فتبدأ من الإنسان نفسه: من شهواته، وأطماعه، وغفلته، وظلمه، وعلاقته بالمال والسلطة، ومن علاقته بالله وبالآخرين وبالطبيعة.
فإذا كان الاقتصاد مبنياً على الجشع، فلن يكفي أن نضع قانوناً لمعالجة الفقر بعد حدوثه. وإذا كان المجتمع قائماً على الاستهلاك المفرط، فلن يكفي إصدار قانون بيئي بعد استنزاف الموارد. وإذا كان الإنسان قد جعل القوة معياراً للحق، فلن تكفي الاتفاقيات الدولية وحدها لمنع الحروب.
من هنا تأتي أهمية قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
فالآية تفتح أمام العلوم الإنسانية الإسلامية رؤية مختلفة تماماً: الفساد الخارجي قد يكون مرتبطاً بسلوك الإنسان نفسه، ولذلك فإن إنقاذ العالم لا يكون بإصلاح المؤسسات الخارجية فقط، بل بإصلاح الإنسان الذي يدير تلك المؤسسات.
*الإنسان ليس مركز الكون*
تقوم قطاعات واسعة من العلوم الإنسانية الحديثة على مركزية الإنسان، لكن المشكلة ليست في تكريم الإنسان؛ فالإسلام نفسه كرّم الإنسان. المشكلة هي أن يتحول الإنسان من مخلوق مكرّم ومسؤول إلى مرجع مطلق ومستقل عن الله والعقلانية والهداية.
فالإنسان، في الرؤية الإسلامية، ليس إلهاً صغيراً يستطيع أن يحدد وحده معنى الخير والشر والغاية من الحياة. إنه مخلوق محدود العلم، محدود القدرة، محتاج إلى الهداية، ومسؤول عن اختياراته.
*وهنا يصبح الفرق بين المنظومتين عميقاً.*
فإذا كان الإنسان هو المرجعية النهائية، يصبح القانون قابلاً لإعادة تعريف الخير والشر وفقاً لتغير القوة والثقافة والمصلحة والاتجاهات الاجتماعية. أما إذا كان الله هو مصدر التشريع الأعلى، فإن الإنسان لا يخترع الخير والشر من الصفر، وإنما يبحث عن موقعه الصحيح داخل نظام كوني وأخلاقي أكبر منه.
ولهذا يقول القرآن: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
فالذي خلق الإنسان هو الأعلم بما يصلحه، والذي خلق الكون هو الأعلم بالقوانين التي تحفظ توازنه.
*قوانين الله ليست مجرد أوامر فردية*
ومن الأخطاء الشائعة اختزال القوانين الإلهية في الأحكام الفردية وحدها، كالصلاة والصوم والحلال والحرام في الطعام. هذه الأحكام جزء من المنظومة، لكنها ليست كل المنظومة.
فالقرآن يتحدث أيضاً عن سنن اجتماعية وتاريخية وكونية.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
ويقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
ويقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾.
هذه الآيات تقدم تصوراً للإنسان والمجتمع يربط بين القيم والأعمال والنتائج، فلا يكون الاقتصاد منفصلاً تماماً عن الأخلاق، ولا السياسة عن العدالة، ولا القوة عن المسؤولية، ولا علاقة الإنسان بالطبيعة عن سلوكه الأخلاقي.
وهذا هو البعد الذي ينبغي أن تستعيده العلوم الإنسانية الإسلامية.
*لماذا تفشل بعض خطط الإنقاذ رغم كثرة القوانين؟*
قد تمتلك دولة آلاف القوانين، ومئات المؤسسات، وأجهزة رقابة واسعة، ومع ذلك ينتشر الفساد والاحتكار والظلم والفقر.
*والسبب أن القانون وحده لا يصنع الإنسان الصالح.*
يمكن للقانون أن يمنع السرقة عندما يكون الشرطي موجوداً، ولكنه لا يستطيع دائماً أن يمنع الإنسان من التفكير في السرقة عندما يغيب الرقيب. أما الإيمان والضمير والتقوى فتخلق رقابة داخلية تجعل الإنسان يشعر بأنه مسؤول أمام الله حتى عندما لا يراه أحد من البشر.
وهنا تظهر أهمية الجمع بين القانون الخارجي والأخلاق الداخلية.
فالحضارة التي تعتمد على القانون وحده تحتاج باستمرار إلى مزيد من الشرطة والمحاكم والرقابة والكاميرات والعقوبات. أما الحضارة التي تجمع القانون مع التربية الأخلاقية والإيمانية فتسعى إلى بناء إنسان يحمل جزءاً من الرقابة في داخله.
*وهذا لا يلغي الدولة والقانون، بل يجعلهما أكثر فاعلية.*
*خطة الإنقاذ الإلهية تبدأ قبل وقوع الكارثة*
من أهم الفروق بين المنهجين أن القانون البشري قد يتحرك بعد ظهور الأزمة، بينما تقدم السنن الإلهية للإنسان قواعد تمنعه من صناعة الأزمة من أساسها.
إذا حُرّم الظلم، فالمقصود ليس فقط معاقبة الظالم بعد وقوع الظلم، بل بناء مجتمع تقل فيه أسباب الظلم.
وإذا حُرّم الربا والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل، فالمقصود ليس فقط معالجة النتائج الاقتصادية، وإنما حماية المجتمع من أن يتحول المال إلى وسيلة لاستعباد الإنسان.
وإذا أُمر الإنسان بالإحسان والصدقة وإطعام الطعام، فليس الهدف مجرد إغاثة الفقير بعد سقوطه، بل إنشاء شبكة اجتماعية تمنع الإنسان من أن يُترك وحيداً أمام الفقر والجوع.
وإذا حُرّمت الإسراف، فالمقصود ليس فقط تنظيم استهلاك الفرد، بل الحفاظ على توازن الحياة والموارد.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى التشريع الإلهي باعتباره منظومة وقائية قبل أن يكون منظومة علاجية.
*من إنقاذ الإنسان إلى إنقاذ الكون*
إنقاذ البشرية لا يعني إنقاذ الإنسان بمعزل عن بقية الوجود. فالإنسان يعيش داخل شبكة هائلة من العلاقات: مع أسرته، ومجتمعه، والحيوان، والنبات، والماء، والأرض، والموارد، والأجيال القادمة.
ولهذا لا يمكن بناء حضارة مشرقة إذا كان تقدمها العلمي يقوم على تدمير شروط الحياة نفسها.
فالقرآن يقول: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. ويقول: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.
إنها ليست مجرد أوامر وعظية منفصلة عن مشروع الحضارة؛ بل يمكن قراءتها باعتبارها مبادئ لإدارة الموارد والاستهلاك والعلاقة مع البيئة والمجتمع.
وهنا تستطيع العلوم الإنسانية الإسلامية أن تفتح مجالاً جديداً: علم الإنسان بوصفه خليفة ومسؤولاً داخل منظومة كونية، لا مستهلكاً مستقلاً يملك العالم بلا حدود.
*لا تعارض بين القانون الإلهي والعلم والخبرة البشرية*
العودة إلى القانون الإلهي لا تعني إلغاء العلوم الطبيعية أو الاقتصاد أو الطب أو الإدارة أو القانون الوضعي. بل العكس. فالإنسان يحتاج إلى العلم لمعرفة كيف تحدث الأشياء، ويحتاج إلى الوحي لمعرفة لماذا وكيف ينبغي أن يتصرف.
العلم يستطيع أن يخبرنا بكيفية انتشار الوباء، وكيفية معالجة التلوث، وكيفية إنتاج الغذاء، وكيفية إدارة الموارد. لكن السؤال عن العدالة في توزيع الغذاء، وعن مسؤولية الغني تجاه الفقير، وعن حدود الربح، وعن معنى الكفاية، وعن الغاية النهائية من الحضارة، يتجاوز المختبر وحده.
لذلك فإن الحضارة القادمة التي نريدها لا ينبغي أن تكون صراعاً بين «الدين» و«العلم»، بل تكاملاً بين العلم الذي يكشف السنن، والوحي الذي يهدي الإنسان في استعمالها.
*الحضارة المشرقة القادمة: من إدارة الكوارث إلى منع أسبابها*
إن الحضارة التي تحتاج إلى خطط طوارئ دائمة لإنقاذ نفسها من الجوع والحروب والانهيار الاقتصادي والتفكك الأخلاقي والدمار البيئي، لم تصل بعد إلى جذور المشكلة.
أما الحضارة المشرقة القادمة، فغايتها أن تتعلم كيف تمنع الكارثة قبل وقوعها، وأن تجعل الاقتصاد خادماً للإنسان لا الإنسان خادماً للاقتصاد، وأن تجعل العلم وسيلة للعمران لا أداة للهيمنة، وأن تجعل السياسة وسيلة لتحقيق العدل لا وسيلة لاحتكار القوة.
وهنا تكمن أهمية القوانين الإلهية الصحيحة غير المحرفة : إنها لا تقدم للإنسان مجموعة من العقوبات والإجراءات فقط، بل تقدم له رؤية متكاملة للإنسان الصالح، والمجتمع العادل، والاقتصاد المتوازن، والسلطة المسؤولة، والعلاقة الرحيمة مع الخلق.
إنقاذ الكون والبشرية، وفق هذه الرؤية، لا يبدأ من قمة الهرم السياسي، ولا من مؤتمر اقتصادي عالمي، ولا من قانون جديد يصدره البرلمان وحده.
*إنه يبدأ من إعادة تعريف الإنسان الكامل.*
فالإنسان الذي يرى نفسه مالكاً مطلقاً للكون سيستعمل قوته وفق هواه، أما الإنسان الذي يرى نفسه عبداً لله ومسؤولاً عن الأمانة، فسيتعامل مع القوة والعلم والمال والطبيعة والسلطة باعتبارها أمانة. أما الانسان الكامل فهو مظهر إرادة الله في الكون.
ومن هنا يمكن أن تكون العلوم الإنسانية الإسلامية مقدمة للحضارة العالمية المشرقة القادمة: لأنها لا تكتفي بالسؤال عن كيفية إدارة الإنسان للأزمات، بل تعيد طرح السؤال الأعمق:
أي إنسان نريد أن نبني، وأي عالم نريد أن نتركه للأجيال القادمة؟
وعندما يتغير الجواب عن هذا السؤال، تتغير بالضرورة قوانين الاقتصاد والسياسة والتربية والإعلام والاجتماع، ويتحول مشروع إنقاذ البشرية من مجرد محاولة لإصلاح نتائج الكوارث إلى محاولة لإصلاح الإنسان والمنظومة التي تنتج تلك الكوارث.
وهنا تحديداً يبدأ الانتقال من حضارة إدارة الأزمات إلى حضارة الوقاية من الأزمات، ومن حضارة الإنسان المستقل عن خالقه إلى حضارة الإنسان المكرّم المسؤول، ومن قانون يلاحق الخراب بعد وقوعه إلى منظومة إلهية تهدي الإنسان إلى طريق العمران قبل أن يقع الخراب. و كل ذلك من خلال ما يسمى الإسلام المحمدي الأصيل.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
