الفرق بين فرعوننا و فرعونهم

الفرق بين فرعوننا وفرعونهم،  حين نقرأ قصة الفرعون في القرآن والتاريخ، يتبادر إلى أذهاننا طاغيةٌ واضح المعالم، يمارس سلطته بالقوة المباشرة والهيمنة الظاهرة. كان الفرعون يتحكّم بالناس من خلال السوط والسيف، يفرض طغيانه على الأجساد قبل كل شيء، فيسخّرهم قسرًا، ويستعبدهم علنًا. وكان يتحكّم بالنفوس عبر الخوف والترهيب، ويستحوذ على أموال الناس وخيراتهم، فيبني مجده على الفقر والقهر، ويقيم سلطانه على الدم والعرق.

ذلك الفرعون كان طاغيته مكشوفًا، وعداوته صريحة، وحدوده مرئية، حتى إن الناس كانوا يدركون من هو عدوهم، وأين يقف، وكيف يقاومونه، ولو بعد حين.

أما فرعون عصرنا، فهو أخطر وأشدّ مكرًا. لم يعد بحاجة إلى السوط ولا إلى الجند المصطفّين في الساحات. فرعوننا يتحكّم بالتكنولوجيا، وبالتطوّر العلمي والنفسي، ويتسلّل إلى كل تفاصيل الحياة بلا ضجيج. يتحكّم بالعقول قبل الأجساد، فيعيد تشكيل الوعي، ويزرع المفاهيم، ويحدّد ما نراه حقًا وما نراه باطلًا. يتحكّم بالأرواح عبر أنماط حياة فارغة، وثقافات استهلاكية، وقيم تُفرغ الإنسان من رسالته ومعناه. وهو الأخطر حين يتحكّم بالأجيال والنسل، فيعيد صياغة الطفل قبل أن يكبر، والشاب قبل أن يعي، والأسرة قبل أن تنتبه.

فرعون اليوم لا يأخذ المال بالقوة فقط، بل يجعل الناس يسلّمونه طوعًا. لا يفرض عبوديته بالسلاسل، بل يغلّفها بشعارات الحرية، والتقدّم، والحداثة، حتى يصبح الإنسان عبدًا وهو يظنّ نفسه سيّدًا.

المؤلم أكثر، أنّنا نجد في المقابل بعض الشخصيات الدينية تتعامل مع هذا الواقع العالمي الخطير وكأنّ شيئًا لا يحدث. يختزلون المشهد بأن الدنيا «كانت دائمًا هكذا»، وبأن الصراع بين الخير والشر أو بين الحق والباطل سيبقى متقاربًا ومتوازنًا، وأن الأمور بخير، ولا داعي للقلق. يتصرّفون وكأننا في مأمن، وكأن هذا الطغيان الجديد لا يمسّ الإيمان، ولا يهدّد الإنسان، ولا يعيد تشكيل العالم من جذوره.

هؤلاء ينكفئون إلى بيوتهم، وأحيائهم، ومدنهم، وحوزاتهم، ويتعاملون مع الدين كجزيرة معزولة، وكأنّ بالإمكان النأي بالنفس عمّا يجري في العالم من تحوّلات خطيرة تمسّ العقيدة، والهوية، والمستقبل، والنسل الإنساني كلّه. يغفلون أن الفرعون الجديد لا يعترف بالحدود الجغرافية، ولا يحترم الخصوصيات، وأن الصمت أمامه ليس حيادًا بل مشاركة غير مباشرة في مشروعه.

إن الفرق بين فرعون الأمس وفرعون اليوم، أنّ الأول كان يقتل الجسد، أما الثاني فيقتل الوعي. الأول كان يستعبد الإنسان بالقوة، أما الثاني فيستعبده بالإقناع. وبين فرعون واضح العداوة، وفرعون متخفٍ بثياب التقدّم، تصبح المسؤولية أعظم، ويصبح السكوت أخطر، ويصبح الوعي فريضة لا تقلّ شأنًا عن أي عبادة أخرى.

العلوم الإنسانية الإسلامية

#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة

https://t.me/M_Civilization  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

نظرية الطاحونة في علم الإدارة

*نظرية الطاحونة: لماذا العبرة في التأسيس لا في الإدارة؟* ليست المشكلة الكبرى…

الفرق بين فرعوننا و فرعونهم

الفرق بين فرعوننا وفرعونهم،  حين نقرأ قصة الفرعون في القرآن والتاريخ، يتبادر…

*العبادات المزيفة في عصر الادعاءات…

*عبادة مزيفة في عصر الادّعاءات الخادعة* نعيش في هذا العصر ظاهرة دينية…

مقالات إضافية

نظرية الطاحونة في علم الإدارة

*نظرية الطاحونة: لماذا العبرة في التأسيس لا في الإدارة؟* ليست المشكلة الكبرى…

الفرق بين فرعوننا و فرعونهم

الفرق بين فرعوننا وفرعونهم،  حين نقرأ قصة الفرعون في القرآن والتاريخ، يتبادر…

*العبادات المزيفة في عصر الادعاءات…

*عبادة مزيفة في عصر الادّعاءات الخادعة* نعيش في هذا العصر ظاهرة دينية…