العرفان العملي والتحوّلات السياسية الكبرى في عصر الغيبة
من العمل الباطني إلى التأثير التاريخي الفجائي
لم يكن العرفان الشيعي، في أي مرحلة من مراحل عصر الغيبة، ظاهرةً منقطعة عن حركة التاريخ، ولا مسارًا روحيًا منزويًا عن التحوّلات السياسية الكبرى، كما يُراد له أن يُصوَّر أحيانًا. بل إن القراءة العميقة لمسار التشيّع تكشف أن كثيرًا من التحوّلات الفجائية والحاسمة التي بدت وكأنها انفجرت من خارج الحسابات التقليدية، كانت في حقيقتها ثمرةَ تراكمٍ طويلٍ من العمل الباطني العرفاني، الهادئ وغير المرئي، الذي سبق الفعل السياسي بسنوات وربما بعقود.
لقد أدرك العرفاء الكبار في مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن زمن الغيبة لا يسمح بالمواجهة السياسية المباشرة الدائمة، ولا بالثورات المتعجّلة التي تفتقر إلى الإنسان المؤهَّل لحمل نتائجها. ومن هنا، اتجه العرفان الشيعي، في لحظات الانسداد السياسي، إلى بناء الإنسان من الداخل، لا بوصف ذلك انسحابًا من التاريخ، بل باعتباره شرطًا سابقًا على أي تحوّل تاريخي حقيقي. فالتحوّلات الكبرى لا تبدأ من القصور ولا من الساحات، بل من النفوس التي تُعاد صياغتها في الخفاء.
إن المتتبّع لتاريخ التشيّع في عصر الغيبة يلحظ أن كثيرًا من المنعطفات السياسية المفصلية جاءت مفاجِئة للسلطات القائمة، وغير متوقَّعة حتى لبعض النخب الظاهرة، لكنها لم تكن مفاجِئة للدوائر العرفانية العميقة التي كانت ترصد حركة المجتمع من مستوى الوعي، لا من مستوى الشعارات. وقد أسهم العرفاء، عبر شبكات غير رسمية من التربية، والالتزام، وبناء الضمير الديني، في تهيئة الأرضية النفسية والأخلاقية التي جعلت تلك التحوّلات ممكنة في لحظة تاريخية محددة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الأدوار العرفانية عن نشوء نماذج المقاومة، أو عن صعود الحركات الدينية ذات الطابع الرسالي، أو عن قدرة المجتمع الشيعي على إعادة تنظيم نفسه بعد كل ضربة كبرى. فالعرفاء لم يكونوا قادة ميدانيين في الغالب، لكنهم كانوا مهندسي الوعي العميق الذي يُنتج القابلية للتضحية، والصبر، والانضباط، وهي عناصر لا تقوم أي حركة سياسية كبرى بدونها. ومن هنا، جاءت التحوّلات «الفجائية» في ظاهرها، لكنها «مُعدَّة» في باطنها.
كما أن العرفان الشيعي، بخلاف كثير من المدارس الصوفية، لم يسعَ إلى شرعنة الواقع السياسي القائم باسم الرضا أو الفناء أو التسليم السلبي، بل عمل على تفكيك الطغيان من داخل النفس البشرية، عبر تحرير الإنسان من الخوف، ومن التعلّق، ومن عبودية الدنيا. وهذا التحرير الداخلي هو الذي جعل بعض المجتمعات الشيعية قادرة، في لحظات مفصلية، على الانتقال السريع من حالة الخضوع الطويل إلى حالة الفعل الحاسم، دون أن تمر بمراحل فوضوية طويلة.
وتُظهر التجربة التاريخية أن التحوّلات السياسية الكبرى في الوسط الشيعي غالبًا ما جاءت بعد مراحل من الصمت الظاهري، لا بعد الضجيج. وهذا الصمت لم يكن فراغًا، بل كان زمن تخميرٍ روحيٍّ عميق، تُعاد فيه صياغة المفاهيم الأساسية: معنى الطاعة، ومعنى الشهادة، ومعنى الولاية، ومعنى الانتظار. وقد اضطلع العرفاء بدورٍ مركزي في هذا التخمير، من خلال إعادة ربط السياسة بالأخلاق، والقوة بالمسؤولية، والنصر بالاستحقاق الروحي.
ومن هنا، يمكن القول إن العرفان الشيعي شكّل، عبر التاريخ، «الاحتياطي الاستراتيجي الخفي» للتشيّع في عصر الغيبة. فعندما كانت المشاريع السياسية الظاهرة تنهار أو تُقمع، كان هذا الاحتياطي يعمل بصمت، محافظًا على جذوة الإيمان، ومُراكمًا للطاقات البشرية المؤهَّلة لمرحلة لاحقة. وعندما حانت لحظة التحوّل، خرجت النتائج دفعةً واحدة، فبدت وكأنها قفزة غير مبرَّرة تاريخيًا، بينما كانت في الواقع حصيلة مسار طويل من البناء غير المرئي.
وفي ضوء ذلك، يمكن فهم المدرسة العرفانية التي مثّلها السيد علي القاضي الطباطبائي وسلسلة تلامذته بوصفها امتدادًا واعيًا لهذا الدور التاريخي. فهي لم ترفع شعارات سياسية مباشرة، لكنها أسهمت في صناعة إنسانٍ يمتلك شروط الفعل السياسي عندما تتهيّأ ظروفه، دون أن يُفسده التسرّع أو تُسقطه المساومات. وهذا النمط من العرفان، المنضبط والولائي، هو الذي يجعل التحوّلات السياسية في الوسط الشيعي ممكنة، عميقة، وسريعة حين تقع.
إن التحوّلات الكبرى لا تُصنع في لحظة، لكنها تظهر في لحظة. وبين الصنع والظهور، يقف العرفاء غالبًا في المنطقة غير المرئية من التاريخ، حيث يُبنى الإنسان قبل أن تُبنى الدولة، ويُعاد تشكيل الوعي قبل أن يتغيّر النظام. ومن هنا، فإن أي قراءة جادة للتحوّلات السياسية في تاريخ التشيّع في عصر الغيبة تبقى ناقصة، بل مضلِّلة أحيانًا، إذا تجاهلت الدور العرفاني العميق الذي مهّد لها، ورافقها، وضبط مسارها من الانحراف.
مراجع عرفانية
تُعدّ سلسلةُ العرفاء المتأخّرين التي تبدأ بالسيد علي القاضي الطباطبائي وتمتد عبر تلامذته الكبار واحدةً من أكثر السلاسل العرفانية تأثيرًا وعمقًا في التاريخ الشيعي الحديث، لما جمعته من صفاءٍ روحي، وانضباطٍ فقهي، ووضوحٍ منهجي، وانتقالٍ واعٍ من العرفان الصوفي الفضفاض إلى عرفانٍ شيعيٍّ منظمٍ وحاسمٍ في مرجعياته وأهدافه.
يُشكّل السيد علي القاضي الطباطبائي (قده) الركنَ الأساسَ لهذه السلسلة، إذ مثّل نموذج العارف الشيعي الجامع بين الشريعة والحقيقة، بعيدًا عن النزعات الصوفية المنفلتة أو الطقوسية المجردة. فقد كان يؤكد على أن العرفان الحقيقي لا ينفصل عن الالتزام الدقيق بالفقه وأحكام أهل البيت عليهم السلام، وأن السير إلى الله لا يكون بالذوق الفردي ولا بالكشوفات غير المنضبطة، بل بالمجاهدة الشرعية، وتزكية النفس، وحضور القلب، وتربية الإنسان تربيةً عمليةً طويلة النفس. وقد ترك أثرًا عميقًا في الحوزة العلمية في النجف، لا عبر التأليف بقدر ما كان عبر التربية المباشرة وصناعة الرجال.
وتلقّى عنه هذا النهج العرفاني الصارم تلميذه البارز السيد هاشم الحداد (قده)، الذي مثّل الامتداد العملي والروحي الأشد صفاءً لتجربة أستاذه. تميّز السيد الحداد بالزهد الشديد، والصدق الوجودي، والبعد عن الظهور الاجتماعي، حتى أصبح مثالًا للعارف الخفي الذي يؤثر التربية العميقة على الشهرة العلمية. وقد كان له دورٌ حاسم في ترسيخ مفهوم العرفان كمسؤولية أخلاقية وسلوكية لا كحالة وجدانية عابرة، وكان يرفض بشدة أي خلطٍ بين العرفان الأصيل وبين الطرق الصوفية التي تكتفي بالشعارات أو الادعاءات الروحية دون بناءٍ أخلاقي متين.
ثم انتقل هذا التراث العرفاني إلى السيد محمد حسين الحسيني الطهراني (قده)، الذي يُعدّ المنظّر الأكبر لهذه السلسلة، وصاحب الدور الأبرز في نقل العرفان من الدائرة التربوية الخاصة إلى الفضاء الفكري-العلمي العام. فقد عمل على تدوين الرؤية العرفانية الشيعية بلغةٍ عقلية ونصية واضحة، مستندًا إلى القرآن الكريم، والروايات، والحكمة المتعالية، والعرفان النظري. وتُعدّ مؤلفاته، مثل الله شناسي، والإمام شناسي، والروح المجرد، من أهم الأعمال التي أسّست لعرفان شيعي متكامل، يُحافظ على عمق التجربة الروحية دون أن ينفصل عن العقيدة، والولاية، ومفهوم الإمام الحيّ الحاضر في مسار السلوك. وقد دعا السيد الطهراني إلى عرفانٍ منظم، ذي منهج واضح، وسلسلة تربوية منضبطة، وهدف نهائي يتمثل في تحقيق العبودية الخالصة والولاية الإلهية.
وجاء بعده تلميذه السيد صادق الحسيني الطهراني، الذي مثّل مرحلةً أكثر جرأة في ربط العرفان بالخطاب الاجتماعي والفكري العام، مع التأكيد على ضرورة تحرير العرفان من الغموض والانتقائية. فقد ركّز على نقد التصوف غير المنضبط، وعلى بيان الفروق الجوهرية بين العرفان الشيعي الولائي، وبين التجارب الصوفية التي قد تنفصل عن الإمامة أو تتساهل في المرجعية الشرعية. كما دعا إلى إعادة بناء الإنسان المؤمن بوصفه مشروعًا حضاريًا، لا مجرد سالكٍ منعزل، مؤكدًا أن العرفان الحقيقي يجب أن يُنتج وعيًا، ومسؤولية، وموقفًا، لا انسحابًا من المجتمع.
إن المكانة الخاصة لهذه السلسلة في المجتمع الشيعي لا تعود فقط إلى عمقها الروحي، بل إلى قدرتها على تقديم نموذجٍ فريدٍ للعرفان الملتزم، الذي يجمع بين الباطن والظاهر، وبين السلوك الفردي والوعي الرسالي. فقد أسهمت هذه السلسلة في نقل العرفان من حالةٍ نخبوية غائمة إلى مسارٍ تربويٍّ منظم، واضح المعالم، حاسم في مرجعياته، ومتصالح مع الفقه، والعقيدة، ومشروع الأمة، لتصبح بذلك واحدةً من أهم التجارب العرفانية الشيعية في العصر الحديث.
ولا يمكن فهم هذه السلسلة العرفانية التي بدأت بالسيد علي القاضي الطباطبائي إلا من خلال إدراكها كـ«مشروع تحوّل» داخل الوعي الشيعي المعاصر، لا كمجرد تراكم شخصيات روحية متتابعة. فقد شكّلت هذه المدرسة، عبر أجيالها، قطيعة هادئة ولكن حاسمة مع العرفان الصوفي الفضفاض الذي يعتمد الإلهام غير المنضبط، أو الشيخ المحوري، أو التجربة الفردية المعزولة عن المرجعية النصية والولائية. وفي مقابل ذلك، أعادت الاعتبار إلى مفهوم السلوك بوصفه علمًا وتربيةً ومنهجًا، لا حالة وجدانية ولا طقسًا موروثًا.
لقد شدّدت هذه السلسلة على أن العرفان في المدرسة الشيعية ليس طريقًا موازيًا للشريعة، بل هو تعميقٌ لها، وليس بديلًا عن الفقه، بل هو روحه الحيّة. ومن هنا جاء الإصرار المتكرر لدى أعلامها على أن أي تجربة روحية لا تمر عبر بوابة الالتزام العملي بأحكام أهل البيت عليهم السلام، ولا تنتهي إلى تعظيم مقام الولاية والإمام، إنما هي تجربة ناقصة أو منحرفة مهما بلغت شدتها أو ادّعت عمقها. وقد أسهم هذا الموقف في تحصين الأوساط الشيعية من الذوبان في أنماط تصوفية دخيلة، أو من الوقوع في فوضى الكشوفات والادعاءات.
كما تميّزت هذه المدرسة العرفانية بإعادة تعريف «العارف» نفسه، فلم يعد العارف هو المنعزل عن الناس، أو المتعالي عن الواقع، أو الغارق في الرموز والإشارات، بل هو الإنسان الأكثر وعيًا بنفسه، والأشد انضباطًا في سلوكه، والأعمق حضورًا في مسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية. فالعارف، وفق هذا المنهج، هو شاهد على الله في نفسه، وشاهد على الحق في مجتمعه، ولا تنفصل مجاهدته الباطنية عن موقفه من الظلم، والفساد، والانحراف القيمي.
ومن هنا، يمكن القول إن هذه السلسلة قد أسهمت – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – في تهيئة الأرضية الفكرية والروحية لنموذج الإنسان الرسالي المتكامل، الذي يجمع بين العبادة الواعية، والبصيرة العقائدية، والقدرة على تحمّل التكاليف الثقيلة في زمن الغيبة. فقد كان هاجسها الدائم هو صناعة الإنسان القادر على الثبات، لا الإنسان المنبهر، وعلى الاستمرار، لا الإنسان المتحمّس العابر.
ولعلّ أهم ما يميّز هذا التنظيم العرفاني المنهجي هو رفضه القاطع لتحويل العرفان إلى نخبوية مغلقة أو أسرار محجوبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدسيّة الطريق وصعوبته. فالعرفان، في هذا التصور، ليس متاحًا بلا شروط، لكنه ليس محجوزًا بطبقة أو لقب أو انتساب شكلي، بل مفتوح لكل من امتلك الصدق، والاستعداد، والالتزام، والصبر على المجاهدة الطويلة.
إن هذه السلسلة، بما راكمته من تجربة، وفكر، وتربية، تمثل اليوم إحدى أهم المحاولات الشيعية لإعادة ضبط العلاقة بين الروح والعقل، وبين الباطن والحركة، وبين الفرد والأمة. وهي بذلك لا تنتمي إلى الماضي فقط، بل تطرح نفسها بوصفها رصيدًا حيًّا لأي مشروع نهضوي أو حضاري يسعى إلى بناء إنسانٍ مؤمنٍ، واعٍ، ثابتٍ، قادرٍ على حمل أمانة الاستخلاف في زمن الفتن والتحولات الكبرى.
