*عبادة مزيفة في عصر الادّعاءات الخادعة* نعيش في هذا العصر ظاهرة دينية خطيرة تتمثّل في شيوع الادّعاء بعبادة الله والتوحيد بين كل الديانات السماوية، مقابل غياب جوهر العبادة الحقيقي لله عن حياة الأفراد والمجتمعات. فقلّما تجد إنسانًا لا يعلن إيمانه بالله وبالرب، ولا يصرّح بانتمائه الديني، لكن عند الانتقال من مستوى القول إلى مستوى الفعل، ومن مستوى الشعار إلى مستوى السلوك، يظهر التناقض الصارخ بين ما يُدَّعى وما يُعاش. وهنا تتبدّى حقيقة قرآنية عميقة، وهي أن الإيمان قد يكون موجودًا في اللسان و دور العبادة و في الطقوس و الاعلام والحياة الاجتماعية، لكنه مفقود في المنهج والقرار والولاء والعمل والقلب.
إن القرآن الكريم يفضح هذا النوع من التدين حين يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، فهذه الآية لا تتحدث عن كفار ينكرون الله، بل عن أناس يؤمنون به ظاهريًا، لكن إيمانهم مشوب بالشرك. والشرك هنا ليس بالضرورة عبادة صنم حجري، بل هو اتخاذ مرجعيات وقيم وآلهة بديلة تتحكم بحياة الإنسان وتوجّه قراراته، حتى وإن بقي اسم الله حاضرًا في الخطاب الديني.
ومن هنا نفهم أن عبادة الله ليست مجرد أداء شعائر، بل هي خضوع كامل لمنهجه، وتسليم لمرجعيته، وامتثال لأوامره في شؤون الحياة كلها. أما حين تتحكم زخارف الدنيا بالإنسان، ويصبح المال أو الجاه أو السلطة أو الشهوة أو الثقافة المهيمنة هي المحرّك الفعلي لسلوكه، فإن هذه الأمور تتحول إلى معبودات حقيقية، وإن لم تُسمَّ كذلك. وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بوضوح حين قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾، فالإله هنا هو الهوى، لا الله.
في هذا السياق، يمكن القول إن كثيرًا من الناس في عصرنا يمارسون عبادة مزيفة، لأن حياتهم العملية منسجمة مع منطق إبليس لا مع منهج الله. فإبليس لم يطلب من البشر أن يعبدوه بشكل مباشر، بل أعلن مشروعه القائم على الإغواء، وتزيين الدنيا، وتقديم القيم المنفصلة عن الطاعة الإلهية على أنها طريق السعادة والنجاح. وحين تصبح الأنانية، والمصلحة، والتكبر، والتبرير الأخلاقي، والتمرّد على أوامر الله، هي القاعدة السلوكية العامة، فإن الإنسان يكون قد سار فعليًا في خط إبليس، حتى لو رفع راية التوحيد لفظًا.
من هنا تتضح خطورة العبادة التي تنفصل عن الهداية الإلهية الصحيحة. فالإنسان لا يستطيع أن يعبد الله حق عبادته من خلال عقله المجرّد، ولا من خلال ذوقه الشخصي، ولا عبر منظومات فكرية بشرية متغيّرة، لأن الله سبحانه لم يترك الخلق دون دليل حيّ يقودهم إليه. وقد أمرهم صراحة بقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، وهذه الوسيلة ليست مفهومًا ذهنيًا مجردًا، بل هي تجسيد حي للهداية الإلهية في الأرض.
وهنا تتجلّى مكانة أهل البيت عليهم السلام بوصفهم أفضل نماذج التوحيد الخالص، وأصدق مصاديق العبادة الحقيقية، لأنهم لم يكتفوا بمعرفة الله نظريًا، بل جسّدوا إرادته في سلوكهم، وكانوا الامتداد الطبيعي لرسالة النبي صلى الله عليه وآله. وقد عبّرت زيارة الجامعة الكبيرة عن هذه الحقيقة بوضوح حين قالت: «من أراد الله بدأ بكم، ومن وحّده قبل عنكم». فهذه العبارة تؤسس لقاعدة عقدية مفادها أن الطريق إلى الله لا يُسلك إلا عبر باب نصبه الله، وأن التوحيد لا يكون صحيحًا ما لم يرتبط بالولاية.
إن الولاية، كما تفهمها مدرسة أهل البيت، ليست مجرد محبة عاطفية، ولا شعارًا مذهبيًا، بل هي نظام هداية متكامل يحدد للإنسان كيف يعرف الله، وكيف يعبده، وكيف يميّز بين الحق والباطل. ولذلك تقول زيارة الجامعة الكبيرة: «بكم يُعرَف الله، وبكم يُعبَد الله»، في إشارة واضحة إلى أن معرفة الله وعبادته مشروطة باتباع هؤلاء الذين اصطفاهم الله وجعلهم حججه على خلقه.
وعلى هذا الأساس، فإن مناجاة الله الحقيقية لا يمكن أن تتحقق من خلال عبادة منفصلة عن الولاية، لأن هذه العبادة تكون عرضة للانحراف والتزييف، مهما بدت صادقة في ظاهرها. فالتاريخ مليء بنماذج أناس عبدوا الله، وأكثروا من الصلاة والصيام، لكنهم وقفوا في وجه أولياء الله، فانقلبت عبادتهم إلى وبال عليهم. وهذا يؤكد أن العبادة بلا إمام هادٍ، وبلا ولاية، قد تتحول إلى ضلال منظّم.
إن أخطر ما نعيشه اليوم هو هذا التناقض بين الخطاب الديني والسلوك الواقعي، حيث تُرفع شعارات التوحيد، بينما تُدار الحياة بمنطق مادي إبليسي، وحيث يُذكر اسم الله، لكن تُقصى هدايته عن الاقتصاد والسياسة والأخلاق والاجتماع. وهذا هو جوهر العبادة المزيفة التي حذّر منها القرآن، لأنها تُفرغ الدين من مضمونه، وتحوله إلى غطاء لاتباع الهوى.
وفي الختام، يمكن القول إن ورد في الادعية المأثورة *”فَإِذا كانَ عُمْرِي مَرْتَعاً لِلشَّيْطانِ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَ مَقْتُكَ “* ، وقوله تعالى *( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ )* ، اليوم نعيش في هكذا ظروف و لم يبقى لنا الا الموت أو الشهادة أو أن ندعوا لفرج آل محمد و ظهور قائم آل محمد لكي *”يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً”*
فالتوحيد الحقيقي في هذا العصر لا يُقاس بكثرة الادّعاء، بل بصدق الارتباط بالولاية، لأن أهل البيت عليهم السلام هم الميزان الذي يُكشف به صدق الإيمان من زيفه. فمن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله، ومن انحرف عنهم، مهما رفع من شعارات، فقد سلك طريقًا مظلمًا لا يوصله إلى الله. وهكذا يتبيّن أن العبادة الحقيقية، والمناجاة الصادقة، والهداية إلى الله، لا تتحقق إلا عبر أفضل نماذج الموحدين، وهم محمد وآل محمد عليهم السلام.
#حضارة_إسلامية_مستقبلية_مشرقة
https://t.me/M_Civilization #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
