الصرخة المعرفية: خلع عباءة التبعية واستعادة العقل

*الصرخة المعرفية: خلع عباءة التبعية واستعادة العقل* – محمد كوراني ٢٠٢٦.١٠.٠٨ – كفى … كفى للركوع أمام منابر الغرب. أيها المثقفون، أيها الباحثون، أيها الطلبة الذين قضى شبابهم في دهاليز المختبرات وقاعات المحاضرات، أريد أن أوجه إليكم صرخة من أعماق الجرح الحضاري الذي نخور تحت وطأته: لقد تحولت جامعات الغرب من معاقل للعلم إلى معابد لفرض الهيمنة المعرفية.
لا تخدعنكم الشهادات البراقة، ولا تبهروا بالبروتوكولات الأكاديمية وتقييمات “الإمباكت فاكتور”. هذه ليست مؤسسات علمية حيادية، بل هي آلات لصناعة العقول التابعة، ومعامل لتكرير النخب التي تعيد إنتاج التبعية باسم “الموضوعية” و”الدقة المنهجية”. إنها تمنحكم الدرجات، وتستلب منكم الهوية، وتزرع في أعماقكم أنكم لستم إلا تلاميذ صغار، وأن الحقيقة لا تولد إلا في مختبراتهم ومكتباتهم.

*أولاً: فضح أسطورة الحياد الأكاديمي*
إن الجامعة الغربية ليست برجاً عاجياً للعلم المجرد، بل هي ذراع ثقافية للإمبريالية. منذ نشأة مؤسسات التعليم العالي في أوروبا، كانت خادمة لأجندات سياسية: من التبرير الاستعماري للقرن التاسع عشر، إلى أدوات الحرب الباردة، إلى اليوم حيث تُموّل أبحاثها من مؤسسات عسكرية وصناعية لا تتوانى عن توجيه الأسئلة وتزييف الإجابات.

تتجرأ جامعات الغرب على وضع “فرضياتها” كمسلمات كونية. تدرسنا أن النموذج الليبرالي هو نهاية التاريخ، وتفرض علينا نظريات النسبية الأخلاقية كحقيقة مطلقة، وتستبيح تفكيك كل ما هو مقدس لدينا باسم “النقد التنويري”، بينما تحتفظ لنفسها بخطوط حمراء لا تمسّها: نقد الصهيونية؟ كفر. نقد الرأسمالية؟ خروج عن المألوف. نقد تفوقها العرقي والثقافي؟ جريمة فكرية لا تغتفر.

إن مفاهيم مثل “حرية التعبير” و”التعددية الفكرية” لا تطبق إلا حين تخدم توجهاتها، وتتحول إلى فخاخ لتصدير النمط الغربي في التفكير إلى بقية العالم.

*ثانياً: التبعية الأكاديمية .. وباء العقول المستلبَة*

أين نحن من هذه المعادلة؟ نحن لسنا مجرد متلقين، بل أصبحنا مراكز توصيل لعدوى الاستلاب الفكري. نحن ندرّس طلابنا كما لو أنهم يعيشون في شوارع باريس أو نيويورك. نطبّق مناهج كتبت لتناسب مجتمعاً مختلفاً تاريخياً ودينياً ونفسياً، ثم نتعجب حين يخرج لنا الخريجون وهم غرباء عن وطنهم، يرون واقعهم بعيون الآخر، ويحتقرون تراثهم، ويشككون في كل قيمهم، ويظنون أنفسهم فوق الجميع لأنهم يتكلمون الإنجليزية بطلاقة ويحفظون عناوين “نظرية ما بعد الحداثة”! لقد رسّخت جامعاتنا (خاصة في الوطن العربي والإسلامي) نظاماً تعليمياً يعتمد على التبعية المنهجية:
· نحن نقرأ تاريخ الغرب، بينما ننسى تاريخنا.
· نحن نحلل نصوصهم، بينما تبقى نصوصنا حبيسة الرفوف.
· نحن نتبنى إشكالياتهم الفكرية، التي تنبع من أزماتهم الوجودية (كإشكالية الإلحاد أو صراع الكنيسة والسلطة) ونسقطها على مجتمعاتنا التي تعاني أزمات مختلفة تماماً.
هذا ليس علماً، هذا استمرار للاستعمار المعرفي بأدوات جديدة. نحن ندفع أموالنا الطائلة لنصنع لأنفسنا قفصاً ذهنياً، ونسميه “التعليم العالي”!

*ثالثاً: صرخة التحرر .. من النقل إلى الإنتاج*

إن ثورتنا العقلية تبدأ من خلع المشروعية المزيفة لهذه المؤسسات. لقد حان الوقت لنعلن أن:

العلم ليس ملكية خاصة لأحد. المنهج التجريبي أداة، والرياضيات لغة، ولكن السؤال الأكبر هو: من يحدد الأولويات؟ من يختار ما يدرس؟ من يوجه البوصلة الأخلاقية للبحث العلمي؟

إننا بحاجة إلى جامعات ما بعد الاستعمار، جامعات تنطلق من هموم مجتمعاتنا:

· تعالج تخلفنا التقني بآليات تنبع من واقعنا، لا من واقعهم.
· تقدم نموذجاً معرفياً يتكامل مع منظومتنا القيمية (الدينية والأخلاقية)، بدلاً من أن تهدمها.
· تنتج نظريات في العلوم الإنسانية تنبع من فلسفتنا، وتفسر ظواهرنا، وتقدم حلولاً نابعة من هويتنا، لا حلولاً مستوردة تزيدنا تعقيداً.

أيها الشباب، لا تنتظروا إذناً من الغرب لتكونوا مبدعين. إن أعظم ثورات العلم لم تأت من المراكز، بل من هوامش المتحدّين. إسحقوا قدسية “النشر في دورياتهم” إذا كانت تلك الدوريات تشترط توجهاً معيناً. ابنوا منابركم ومجلاتكم ومعاهدكم، اجعلوا لغتكم الأم حاضرة في البحث العلمي الرصين، اجعلوا تراثكم مصدر إلهام وليس مصدر حياء.

*بيان العهد الجديد*

أيتها الجامعات الغربية: نخلع سلطانكم على عقولنا. لا نريد شهائدكم إن كانت ثمناً لخنق هويتنا. لا نريد مناهجكم إن كانت سمّاً ناعماً يذيب يقيننا. لن نقيس تقدمنا بعدد طلابنا المبتعثين إليكم، بل بقدرتنا على الإمساك بزمام المعرفة بأنفسنا. نحن لا نرفض العلم، ولكننا نرفض الوصاية. لا نغلق عقولنا أمام العالم، ولكننا نفتحها على مصراعيها لتقرأ العالم بعيون لا تستعير نظارات غيرها. العلم نور، ولكن النور إذا أتى من مشكاة الآخرين ليحرق هويتنا، فهو نار.

نهضتنا تبدأ بلحظة الشجاعة التي نقول فيها: “لا، لن نكون تابعين”. لحظة نصنع فيها معرفتنا بأنفسنا، ونرسم مستقبلنا بأيدينا، ونعلن استقلالنا الفكري الكامل عن كل إمبريالية معرفية. إنها ثورة، ثورة العقل المستلب الذي يخلع أغلاله ويعود إلى جذوره، لينطلق منها نحو آفاق الإبداع والحضارة.

اليوم نعلنها صرخةً: تحرير الجامعات من التبعية، وتحرير المعرفة من الاستعمار، وتحرير العقل من العبودية. العلم للجميع، والهوية لنا.

فلتسقط الوصاية المعرفية، وليقم عصر النهضة الجديدة.

https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات،…

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات، نخب التمويل، ونقطة تحول الشرق الأوسط”* محمد…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة الإنسان: نحو إعادة تأسيس العلوم الإنسانية* محمد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد التجليات: قراءة عرفانية في نقد النسبية في…

مقالات إضافية

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات،…

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات، نخب التمويل، ونقطة تحول الشرق الأوسط”* محمد…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة الإنسان: نحو إعادة تأسيس العلوم الإنسانية* محمد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد التجليات: قراءة عرفانية في نقد النسبية في…