*الخيرُ فيما وقع (الجزء الثاني)* محمد كوراني، لم تعد خطورة النخبة المالية العالمية، المعروفة بتيار العولمة، كامنة في قدرتها على السيطرة فقط، بل في طبيعة هذه السيطرة التي اتخذت طابعًا خفيًا، ناعمًا، ومتدرّجًا، يستبطن خطابًا إنسانيًا ظاهريًا، بينما يضمر مشروعًا بنيويًا بالغ الخطورة على الإنسان والحضارة. فقد جرى تسويق هذا المشروع تحت عناوين الحرية، والليبرالية الديمقراطية، والمساواة، وحقوق الإنسان، في حين كان الهدف العميق يتمثّل في إعادة تشكيل الإنسان ذاته ليغدو كائنًا منزوع الإرادة، محدود القدرة على الاعتراض، أقرب إلى آلة إنتاج واستهلاك داخل منظومة مغلقة.
اعتمد تيار العولمة على توظيف شامل للعلوم، لا سيما علوم الجينات، والبيولوجيا العصبية، والذكاء السلوكي، مقرونة بتسييس واسع للعلوم الإنسانية. فتمّ استخدام نظريات الجندرة، والعلمانية المتطرفة، والإلحاد الفلسفي، والنسبية الأخلاقية، بوصفها أدوات تفكيك للهوية، لا بوصفها مسارات بحث معرفي محايد. ولم يكن الهدف تحرير الإنسان، بل فصله عن جذوره القيمية والروحية، ليصبح أكثر قابلية للضبط، وأقل مقاومة للهيمنة.
ضمن هذا السياق، كان الشرق الأوسط – بوصفه منطقة الأنبياء والرسالات – يشكّل العقبة الأعمق أمام هذا المشروع. فالخطاب الديني العالي اللهجة، التي سمعناها في عشرات السنين الآخيرة، أعاد إدخال مفردات المعنى، والغاية، والحق، والشر، والخير، إلى ساحة الصراع، ما أربك الحسابات الباردة للنخبة العولمية، التي كانت تراهن على عالم منزوع الميتافيزيقا، محكوم بالاقتصاد والتقنية فقط.
تيار جديد
أمام هذا الإرباك، برز تيار متشدّد داخل النخبة نفسها، يمثّل انشقاقًا منهجيًا لا أخلاقيًا عن العولمة الكلاسيكية، وتقدّم هذا التيار بوجه صدامي مباشر، متّكئًا على رؤوس الأموال المتأتية من شركات السايبر، والهاي تكنولوجي، ومنصّات البيانات والبرمجيات. وقد وجد هذا التيار في *دونالد ترامب* أداة سياسية مناسبة لخطابه القائم على الحسم، التسريع، وكسر القواعد السابقة بحجة اختصار الطريق نحو النتائج.
غير أن هذا التحول، على الرغم من خطورته، حمل أثرًا غير متوقّع: فضح المشروع الأصلي. فالتسرّع، واللغة الفجّة، وتغليب الربح والصفقة على الخطاب الإنساني، أدّت إلى انكشاف جوهر النخبة المالية، وسقوط القناع الأخلاقي الذي لطالما تستّرت خلفه. ما كان يُدار في الغرف المغلقة، ويُنفّذ عبر المؤسسات الدولية والجامعات والمنظمات، خرج إلى العلن بصورة صدامية، كاشفًا حقيقة مشروعٍ لا يرى في الإنسان قيمةً بحدّ ذاته، بل موردًا قابلًا للإدارة والسيطرة.
إلا أن هذا لا يعني أن التيار المتشدّد أقل خطرًا؛ فهو بدوره يعتمد على أدوات أكثر حداثة وقسوة: الذكاء الاصطناعي، المراقبة الشاملة، تحليل البيانات الضخمة، التحكم بالخوارزميات، وتوجيه الوعي الجمعي عبر المنصات الرقمية. الفارق الجوهري أنه تخلّى عن الخطاب الأخلاقي، واعتمد منطق القوة التقنية المباشرة، ما يجعله تهديدًا واضحًا و غير خفي ولا متستر.
من هنا، ورغم انتقادي لهذا الخطاب الصدامي وتداعياته القاسية على منطقتنا، لا سيما الشرق الأوسط، لا يمكن إنكار أن ما جرى أدّى إلى نتيجة مهمة جدا: انكشاف طبيعة الصراع الحقيقي اليوم، بين الحق والباطل ، بين الله وابليس ، بين الدين والكفر، بين خط الانبياء و خط اعدائهم.
فاليوم لم يعد الصدام بين يمين ويسار، أو ديمقراطية واستبداد، بل بين مشروعين للهيمنة، أحدهما ناعم مخادع، والآخر فظّ متسرّع، وكلاهما يشكّلان خطرًا على البشرية.
في هذا المعنى، يصبح القول «الخير فيما وقع» توصيفًا دقيقًا لا تبريرًا؛ إذ إن انفضاح الأقنعة، وسقوط السرديات المزيفة، يفتح المجال أمام وعي عالمي جديد، وإمكانية تشكّل بدائل حضارية حقيقية، تُعيد الاعتبار للإنسان ككائن أخلاقي حر، لا كترس في آلة كونية بلا روح و كون من دون الرب.
رغم انتقادي فما حصل هو خير للبشرية جمعاء، فالخير، أحيانًا، لا يكون في الحدث ذاته، بل في الوعي الذي يولده.
