*الجانب الخفي لعلم الاقتصاد الاكاديمي* محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٨.١١ – دائما يقولون لنا أن علم الاقتصاد هو علم ادارة الموارد المحدودة لاشباع الحاجات غير المحدودة أو علم يدرس السلوك البشري في كيفية استخدام الموارد المحدودة والنادرة لإشباع الحاجات والرغبات غير المحدودة. وأنّ هذا العلم يركز على عمليات الإنتاج، التوزيع، واستهلاك السلع والخدمات، ويسعى لتحقيق الادارة الأفضل و الاستخدام الأمثل لما هو متاح من موارد. لكن إذا نظرنا إلى إدارة الموارد الطبيعية من زاوية أوسع من الاقتصاد التقليدي، الجانب الذي لا يدرسونها لشبابكم في جامعاتهم نجد أسئلة كثيرة تقع على حدود الاقتصاد والسياسة والقانون والأخلاق والجيولوجيا لا يوضحها علم الإقتصاد، ولذلك لا تظهر دائمًا في النماذج الاقتصادية الأساسية.
أهم هذه المنطقة هي: من يملك المورد الطبيعي؟ ومن يقرر معدل استخراجه؟ ولمن تذهب عوائده؟ ومن يتحمل تكلفة استنزافه؟
1. المورد الطبيعي ليس «إنتاجًا اقتصاديًا» بالمعنى المعتاد
الاقتصاد يركز كثيرًا على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، لكن النفط والغاز والمياه الجوفية والمعادن والغابات ليست من صنع الإنسان أصلًا. انظروا الى أزمة مضيق هرمز اليوم، كيف تحولت الى أزمة عالمية بسبب قرار اتخذه رئيس بلد يبعد عن المضيق آلاف الكيلومترات.
وهنا تظهر مسألة أساسية:
هل ينبغي اعتبار استخراج مورد طبيعي ثروة جديدة، أم مجرد تحويل جزء من ثروة طبيعية مخزونة إلى أموال؟
هذه نقطة شديدة الأهمية.
عندما تستخرج دولة مليار دولار من البترول، قد يرتفع ناتجها ودخلها، لكن جزءًا من ذلك ليس «إنتاجًا» بالمعنى الحقيقي، وإنما تحويل أصل طبيعي غير متجدد إلى أصل مالي.
ولهذا فإن النظر إلى الناتج المحلي وحده قد يعطي صورة مضللة عن ثروة الدولة.
2. «ريع المورد» هو الجزء الأكثر أهمية
في النفط والغاز والمعادن خصوصًا، يوجد مفهوم الريع الاقتصادي: أي العائد الذي يتجاوز ما يلزم لتعويض تكاليف استخراج المورد وتوفير العائد الطبيعي لرأس المال والعمل.
والسؤال السياسي العميق هو:
من يحصل على هذا الريع والربح؟
الدولة؟
الشركة؟
المستثمرون الأجانب؟
السكان الذين يعيشون فوق المورد؟
الأجيال القادمة؟
هنا تتحول المسألة من اقتصاد إلى نظرية ملكية وعدالة.
3. المشكلة الخفية: تحويل الثروة الطبيعية إلى قوة سياسية
المورد الطبيعي لا ينتج المال فقط؛ بل يمكن أن ينتج القوة.
الدولة التي تسيطر على النفط أو الغاز تستطيع استخدام عوائده في:
الإنفاق العام → الجيش → البنية التحتية → الدعم → النفوذ الخارجي → تثبيت النظام السياسي.
ولهذا فإن اقتصاد الموارد الطبيعية مرتبط بمفهوم الدولة الريعية.
والأخطر أن الدولة قد تصبح أكثر اعتمادًا على المورد وأقل اعتمادًا على مواطنيها وضرائبهم.
فتنشأ علاقة مختلفة:
في الدولة الضريبية، المواطن يمول الدولة، ولذلك يطالبها بالمحاسبة.
في الدولة الريعية، قد تمول الموارد الدولة، فتضعف العلاقة الضريبية ـ السياسية بين المواطن والحكومة.
وهذه من أهم الأفكار التي تستحق الدراسة.
وأضيفوا على ذلك مثلا فكرة هل يحق لدولة مثل لبنان الحصول على تكنولوجيا الاندماج النووي واستخدامه في الاقتصاد خاصة اقتصاد الطاقة. اجمالا شركات خاصة تعمل على صهر الحديد في لبنان مثل شركة الموسوي لمواد البناء، لماذا لا يحق لها في لبنان، استخدام التكنولوجيا النووية ومن هنا يأتي السؤال الذي لا تجيب عنه السوق وحدها:
نعم، نحن لم نستفيد من جهاز نانوتكنولوجي الذي وصلتنا، كيف بنا أن نستخدم تقنيات أصعب لتحسين الوضع الإقتصادي.
4. المشكلة الزمنية: ماذا نفعل بثروة لا تتجدد؟
لو كانت دولة تملك احتياطيًا نفطيًا بقيمة تريليون دولار، فهي لا تملك ببساطة «تريليون دولار».
بل تملك خيارًا:
استخراج الثروة اليوم أو تركها في باطن الأرض واستخراجها لاحقًا.
وهنا تدخل تكلفة الفرصة البديلة والزمن ومعدل الخصم. إذا استخرجت الدولة النفط بسرعة، تحصل على المال الآن، لكنها تفقد أصلًا طبيعيًا يمكن أن ينتج دخلاً مستقبلًا.
5. الأجيال القادمة غائبة عن السوق
وهذه ربما واحدة من أعمق المشكلات.
السوق الحالية تضم:
البائعين الحاليين + المشترين الحاليين.
لكنها لا تضم الأشخاص الذين سيولدون بعد 50 أو 100 سنة.
فإذا استخرج جيلنا معظم النفط والغاز والمعادن، فإن الأجيال القادمة لا تستطيع الدخول إلى السوق والقول:
«اتركوا لنا نصيبنا.»
لذلك ظهرت فكرة العدالة بين الأجيال والثروة الوطنية المستدامة.
وهنا يصبح الاقتصاد التقليدي بحاجة إلى الفلسفة والأخلاق.
6. الموارد المشتركة: من يملك الماء والهواء والبحر؟
هناك موارد لا يمكن بسهولة تحويلها إلى ملكية فردية:
المياه الجوفية
الأنهار
البحار
الغابات
الهواء
الثروة السمكية
بعض المعادن الموجودة في مناطق عامة.
وهنا تظهر مشكلة المشاعات (Commons).
إذا كان كل فرد يستطيع استغلال المورد دون تنسيق، فقد يؤدي السلوك العقلاني للفرد إلى نتيجة كارثية للجميع.
وهذه هي الفكرة المعروفة باسم مأساة المشاع، مع أن الأبحاث اللاحقة بيّنت أن المجتمعات تستطيع أحيانًا بناء مؤسسات محلية ناجحة لإدارة المشاعات بدلًا من الاعتماد فقط على الخصخصة أو سيطرة الدولة.
7. الجزء الذي لا يظهر في سعر السوق: الاستنزاف والأضرار البيئية
إذا استخرجت شركة النفط النفط وباعته، فإن سعره قد يعكس تكلفة الحفر والنقل والتكرير، لكنه قد لا يعكس بالكامل:
تلوث المياه.
تدمير البيئة.
انبعاثات الكربون.
الأمراض المرتبطة بالتلوث.
خسارة التنوع البيولوجي.
تكلفة معالجة البيئة مستقبلًا.
أي أن السعر الخاص قد يكون أقل من التكلفة الاجتماعية الحقيقية.
وهنا تأتي نظرية الآثار الخارجية (Externalities)
8. والأعمق من ذلك: «اقتصاد إدارة الثروة» وليس «اقتصاد استخراجها»
ربما هذه هي الفكرة التي تبحث عنها تحديدًا.
هناك فرق هائل بين:
اقتصاد استخراج الموارد
و
اقتصاد إدارة الثروة الناتجة عن الموارد.
الدولة قد تكون غنية جدًا بالموارد لكنها فقيرة اقتصاديًا إذا كانت:
تستخرج النفط → تبيعه → تنفق العائدات → تعود إلى نقطة الصفر.
أما الدولة الأكثر ذكاءً فتفعل:
مورد طبيعي → ريع → صندوق سيادي/استثمار → رأس مال بشري + بنية تحتية + تكنولوجيا + صناعات → اقتصاد متنوع → ثروة مستدامة.
وهنا تتحول الثروة الطبيعية من مخزون قابل للاستنزاف إلى رأس مال مولّد للثروة.
9. لذلك السؤال الحقيقي ليس «كم نملك من البترول؟»
بل:
ماذا نفعل بالبرميل الذي نملكه؟
وهذا يقود إلى سلسلة أسئلة أعمق:
من يملك المورد؟
↓
من يستخرجه؟
↓
من يحصل على الريع؟
↓
كيف توزع العوائد؟
↓
كم نستهلك وكم نستثمر؟
↓
ماذا نترك للأجيال القادمة؟
↓
هل يتحول المورد إلى اقتصاد منتج أم إلى اقتصاد ريعي؟
وهذه السلسلة، في رأيي، تمثل مدخلًا ممتازًا لما يمكن تسميته «علم اقتصاد إدارة الثروات الطبيعية»، وهو أوسع من مجرد اقتصاد النفط أو اقتصاد الموارد.
ويمكن بناء نظرية كاملة حوله تربط الاقتصاد + الإدارة + السياسة + القانون + الأخلاق + البيئة + العدالة بين الأجيال. وهذا يتقاطع أيضًا بصورة قوية مع مشروع العلوم الإنسانية الإسلامية ، إذا أردنا بناء تصور إسلامي لإدارة الموارد الطبيعية باعتبارها أمانة عامة وثروة للأمة والأجيال لا مجرد سلعة في السوق.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
