*الثورة المعرفية على المعيير الاكاديمية الغربية* محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٨.١٠ – العلم الذي أصبح وصية، أيها الباحثون، أيها العقول المتعطشة للحقيقة، أيها الشباب الذين يظنون أن الشهادات الذهبية من جامعات الغرب هي بوابة الحرية… لقد خدعكم الوهم.
ما تظنونه معاقل للعلم الحر، هي اليوم ساحات مزاد علني، تُباع فيها الأفكار لمن يدفع أكثر، وتُشترى الأبحاث كما تُشترى السلع في البورصات. الحوار العلمي الذي كان مفخرة الغرب في القرون الماضية، أصبح اليوم خطاباً موجهاً، وإبداعاً مُسَيّجاً، وحريةً مُقَيَّدة بقيود ذهبية لا تراها العيون، لكنها تشلُّ حركة الفكر كما تشل الأغلال حركة الأسير.
إنني هنا، لا لأنتقد الغرب كعدو، بل لأنقذ العلم من أعدائه الذين يتخفون خلف جلباب التمويل والتأثير. إنني هنا لأعلنها صرخة مدوية:
لقد مات الحياد العلمي. لقد قُتل على مذبح المصالح.
*أولاً: الحوار العلمي المأزوم .. عندما يصبح النقاش مسرحاً*
كان من المفترض أن تكون الجامعات الغربية ساحات للتساؤل الجريء، حيث يُسأل كل شيء، وتُفكك كل الفرضيات. ولكن ما يحدث اليوم هو عكس ذلك تماماً:
· الحوارات مهما تنوعت، لا تخرج عن دائرة مسموحة. إنها أشبه بمناقشات داخل زنزانة، حيث يُسمح لك بالصراخ، ولكن في اتجاه واحد فقط.
· الأطروحات الدينية حقاً تُقتل في مهدها. ليس لأنها غير علمية، بل لأنها تهدد مصالح من يمولون الجامعات.
· الإبداع أصبح سلعة تُصنع حسب الطلب. تريد بحثاً عن تغير المناخ؟ ابحث في إطارات محددة لا تمس صناعة النفط. تريد بحثاً عن الذكاء الاصطناعي؟ تأكد أن يستخدم لخدمة الأمن القومي الأمريكي، لا لتحرير البشرية.
المشكلة ليست في غياب الحوار، بل في أن الحوار نفسه صار أداةً للتضليل. فأنت مدعوٌّ للنقاش، شرط ألا تخرج عن الخطوط الحمراء المرسومة بماء الذهب.
*ثانياً: النخبة المالية .. سلطنة الظل*
من يدير الجامعات الغربية اليوم؟ ليس العمداء، ولا الأساتذة، ولا حتى الطلبة.
تديرها النخبة المالية. تلك المجموعة الصغيرة من الأثرياء، والشركات المتعددة الجنسيات، ومؤسسات التمويل التي تتحكم في ميزانيات الأبحاث، وتقرر ما يُدرس وما لا يُدرس، وما ينشر وما يُدفن.
إن الباحث اليوم، لكي يجد تمويلاً لأبحاثه، يضطر إلى التسوُّل بفكره:
· يقرأ الإعلانات التمويلية ليعرف ما تريده المؤسسات، ثم يكتب بحثاً يرضيها.
· يغير عنوان أبحاثه ليكون “متوافقاً مع الأولويات الوطنية” (التي هي في الحقيقة أولويات الشركات الكبرى).
· يضرب صفحاً عن الأسئلة العميقة التي تزعج المستثمرين، ويتجه إلى الأسئلة الآمنة التي تدرّ نقاطاً في سوق النشر.
وهذا ليس انحداراً في الأخلاق فقط، بل هو تحويل للعلم إلى أداة إمبريالية ناعمة. فالعلم الذي يُمول من طرف واحد، لا يمكن أن يكون محايداً. والعلم الذي لا يكون محايداً، هو مجرد دعاية راقية بلغة الأرقام.
*ثالثاً: الباحثون تحت الوصاية .. إبداع مقيد، وأسئلة مكلفة*
إن الباحث في الغرب اليوم، بل وفي جامعاتنا التي تتبع المنهج الغربي، يعيش تحت وطأة إرهاب التمويل:
· هل يحلم بدراسة تاريخ الاستعمار من وجهة نظر الضحايا؟ سيكون تمويله معدومًا.
· هل يريد البحث في نظريات اقتصادية بديلة عن الرأسمالية؟ سيُتهم بـ”اللاسلطوية الفكرية”.
· هل يجرؤ على التشكيك في سرديات الحرب الغربية في الشرق الأوسط؟ لن تجد له أي دورية علمية “محكمة” تستقبل بحثه.
لقد أصبح الباحث أشبه بـ “موظف معرفي”، ينتج السلع الفكرية التي يطلبها السوق، تماماً كما ينتج عامل المصنع السلع المادية التي يطلبها المستهلك. وما دامت المعرفة قد صارت سلعة، فلا غرابة أن تخضع لقوانين العرض والطلب، وقوانين العرض والطلب لا تعرف الأخلاق، ولا تعرف الحقيقة، ولا تعرف إلا الربح.
*رابعاً: صرخة التحرر .. العلم للجميع، لا للنخبة*
إذا كان هذا هو حال العلم في الغرب، فما هو الحل؟
الحل هو الثورة المعرفية.
ثورة تعيد تعريف العلم ذاته:
· العلم ليس أداة لخدمة القوي، بل أداة لتحرير الضعيف.
· العلم ليس مرآة تعكس رؤية النخبة، بل عدسة مكبرة تكشف عيوب النظام.
· العلم ليس سلعة تباع وتشترى، بل هو حق إنساني أساسي، كالهواء والماء.
إن علينا أن نبني جامعات بديلة، تنطلق من هموم شعوبنا، وتمولها شعوبنا، وتكتب بلغاتنا، وتناقش قضايانا. جامعات لا تنحني للنخبة المالية، ولا تخشى طرح الأسئلة المحرمة، ولا تنتظر إذناً من واشنطن أو لندن لتكون مبدعة.
نحن لا نطلب من الغرب أن يموّل ثورتنا العلمية، بل نطلب منه أن يتوقف عن تلويث العلم بأمواله.
*خامساً: وثيقة العهد الجديد*
أيها الباحثون الأحرار:
· لا تبيعوا عقولكم. الشهرة والمال زائلان، ولكن الحقيقة باقية.
· لا تنتظروا التمويل لتبدعوا. الإبداع الحقيقي يولد في الظلمة، حين لا تنظر العيون.
· لا تخافوا من العزلة. كل ثورة علمية كبرى بدأت معزولة، ثم انتصرت بالحق.
وأيتها الجامعات الغربية التي أصبحتم مستودعات للتابعين، نعلنها لكم:
سنخلع نير تبعيتكم. سنصنع معرفتنا بأنفسنا، ونمول أبحاثنا بجهودنا، ونقيّم علومنا بمعاييرنا. لا نريد شهاداتكم إن كانت ثمناً لخنق عقولنا. لا نريد مناهجكم إن كانت قفصاً يمنعنا من الطيران.
العلم للإنسانية، والإنسانية ليست حكراً عليكم.
فَلْتَسْقُطْ وَصَايَةُ النُّخْبَةِ المَالِيَّةِ، وَيَقُمْ عَصْرُ العِلْمِ الحُرِّ المُسْتَقِلِّ.
*العلم .. أو الموت*
إننا نخوض اليوم معركة وجودية. ليس معركة بالأسلحة، بل معركة بالعقول. فمن يملك العقل، يملك المستقبل. ومن يستلب العقل، يستعبد الأجيال.
الجامعات الغربية التي تنحني اليوم للنخبة المالية، ليست مجرد مؤسسات فاسدة، بل هي آلات لاستلاب الإرادة الإنسانية. وهي بذلك تكون قد تخلت عن رسالتها الأساسية: السعي وراء الحقيقة مهما كان الثمن.
فإما أن نستعيد العلم كفعل تحرر، وإما أن نظل أسرى لأوهام أنتجتها لنا النخبة المالية، ونحن نظنها حقيقة مطلقة.
الخيار لنا. والعلم لنا. والمستقبل لنا. فلتنطلق الثورة.
