*أزمة التواضع للمقدس في العلوم الإنسانية* محمد كوراني- ٢٠٢٦.٠٨.٠٦ – يُسجل تاريخ العلوم الإنسانية الحديثة مفارقة مذهلة: فبينما نشأت هذه العلوم بدعوى تحرير الإنسان من الخرافة والجهل، نراها اليوم تُوظف – في كثير من الأحيان – لخدمة أجندات لا تمت للحقيقة الإنسانية بصلة. وتكشف المراجعات النقدية، بما فيها تلك الصادرة عن كبار مفكري الغرب أنفسهم، أن الباحثين أصبحوا في كثير من الأحيان أدواتٍ منقادةً لمؤسسات لا تعلي من شأن القيم الأخلاقية، بل تخلع على الأبحاث الشرعية عبر التمويل، والضغوط الأكاديمية، ومنظومة النشر التي تكرس هرمية معرفية جديدة.
هذا المقال دعوة موضوعية – بل وتوبيخ أكاديمي رصين – للعلماء والأساتذة والباحثين لمراجعة أنفسهم، والعودة إلى التواضع أمام الحقيقة المقدسة التي أودعها الوحي الإلهي في الفطرة البشرية، والتي تظل – رغم كل محاولات التحريف التاريخية – الأساس المتين الذي تقوم عليه أي معرفة إنسانية أصيلة.
*أولاً: الانحراف الأخلاقي في الممارسة البحثية*
تكشف الدراسات السوسيولوجية عن واقع مرير: كثير من الباحثين لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن بريق النشر في المجلات المصنفة، والحصول على منح بحثية ضخمة، والاستقرار الوظيفي في جامعات تفرض رؤيتها الأيديولوجية. هذا التحول من “باحث عن الحقيقة” إلى “موظف معرفي” أنتج ظاهرة خطيرة، هي تسييج العقل تحت ستار الموضوعية الزائفة.
فكما أشار بيير بورديو إلى “العنف الرمزي” الذي تمارسه اللغة الأكاديمية، يُمكننا القول إن البنية المؤسساتية للجامعات ومراكز الأبحاث تمارس عنفًا معرفيًا على الباحث نفسه، إذ تجعله يتنكر لفطرته ولضميره، ويضبط رؤيته وفق ما يمليه عليه ممولوه. إن الباحث الذي يدرس ظاهرة الفقر أو التخلف وهو يتقاضى راتباً من مؤسسة لها مصالح في إدامة ذلك الفقر، لا يمكن أن يكون إلا منحازاً، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه.
*ثانياً: الإغراءات المالية وشراء الضمائر*
لا يمكن إنكار أن العصر الحديث جعل من العلم سلعةً، ومن الباحث منتجاً في سوق تنافسية عنيفة. هذا الواقع دفع العديد من الأكاديميين إلى التضحية بالعمق الأخلاقي مقابل البروز الأكاديمي. فالرسائل العلمية لم تعد تُختار وفق حاجة المجتمع الإنساني الفطرية، بل وفق رغبات المؤسسات المانحة التي تموّل الأبحاث.
لقد أدى هذا إلى “أزمة موضوعية” معترف بها، حيث أقر كبار المفكرين بأن “المعرفة والسلطة وجهان لعملة واحدة” بحسب ميشيل فوكو، وأن التمويل يخلق خطاباً معرفياً يُعيد إنتاج هيمنة المُموّل. ونتيجة لهذا، نجد دراسات تبرر التمييز العنصري، وأخرى تشكك في القيم الأسرية، وثالثة تخلع القداسة عن الكائن المجهول الفوق الإنسانية، وذلك كله تحت جناح “الحرية الأكاديمية” المزعومة. كأن الكون يدور هو قطب واحد هو الانسان ولا كائن عاقل آخر في الوجود.
*ثالثاً: الفطرة الإنسانية كمرجعية غائبة*
تكمن المأساة الأعمق في تجاهل الباحثين المعاصرين لأحد أهم أركان العلوم الإنسانية: الفطرة الإنسانية والتوحيدية. إن البشر جميعاً يولدون على استعداد فطري لتلقي الحق والخير والجمال، وهذا ما أكدته التعاليم الدينية السماوية التي أرسلها الخالق الذي أوحى إلى الأنبياء والرسل.
نعم، لقد وقع التحريف في بعض النصوص أو التفسيرات على مر التاريخ، ولكن جوهر الوحي – المتمثل في تواضع الإنسان لذالك الكائن المقدس – يبقى ثابتاً مشعاً، وهو بمثابة البوصلة الأخلاقية التي ينبغي أن يهتدي بها كل باحث عاقل. إن التنكر لهذه البوصلة هو السبب الرئيس وراء تحول العلوم الإنسانية إلى أدوات للسيطرة والاستغلال، كما شهدنا في حالات الأنثروبولوجيا الاستعمارية والاستشراق الخادم للإمبريالية.
*رابعاً: الدعوة للتواضع أمام الكائن الأسمى*
إن العودة إلى الجوهر لا تعني إلغاء المناهج النقدية الحديثة، بل تعني تواضع العالم أمام حقيقة أكبر منه، هي حقيقة الخالق المقدس الذي ألهم البشرية وأوحى إليها سبيل الرشاد. التواضع هنا ليس موقفاً دينياً فقط، بل هو ضرورة إبستمولوجية، لأن إدراك حدود العقل البشري هو أول خطوات الحكمة.
فكما يعترف الفيزيائيون اليوم بعجزهم عن تفسير الوعي، وكما يعترف علماء الأعصاب بغموض الإدراك، فإن على علماء الإنسانية أن يعترفوا بأن الأخلاق ليست نتاجاً ثانوياً للبنية الاقتصادية أو التنشئة الاجتماعية، بل هي أصل مودع في فطرة الإنسان، ومكمل بوحي السماء. لقد حان الوقت ليُقر الباحث بأن تقديس الوحي الإلهي وتبجيله ليس عيباً، بل هو ركيزة العلم الإنساني النزيه، ليكون العلم خادماً للإنسانية لا خادماً للمؤسسات.
*نحن لا ندعو هنا إلى سذاجة معرفية*
ولا ندعوا إلى إلغاء النقد، بل ندعو إلى ثورة أخلاقية داخل المؤسسة الأكاديمية، يعود فيها الباحث إلى ضميره، ويتحرر من إغراءات المال والسلطة، ويتواضع أمام الحقيقة المقدسة. فالنهضة العلمية الحقيقية لن تتحقق بجمع التمويلات أو كسب المناصب، بل بأن يستشعر الأستاذ الجامعي والباحث أنه مسؤول أمام ضميره وأمام خالقه، وأن الكرامة الإنسانية التي يدرسها هي أمانة إلهية، وأن الوحي، رغم ما لحق به من تحريفات في بعض جوانبه التاريخية، يظل النبع الأصيل الذي يروي عطش الروح الإنسانية للمعرفة الخالصة.
دعوتنا الأخيرة لهم: تواضعوا، وتبتلوا، وعودوا إلى فطرتكم. عندها فقط ستكتشفون أن العلم الحقيقي ليس في التنظير المتعالي، بل في خدمة الكائن المتعالي السامي، وفي الاعتراف بأن هناك دائماً حقيقة أعلى من كل منهج وأكبر من كل جامعة، وهي حقيقة الوحي الإلهي المقدس الى الانسان الجاهل الضعيف عندما انقذه من وهن الجهل والضعف.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
