مهدي كوراني ٢٠٢٦.١٠.٠١
وجعٌ قويّ يجتاحنا… ليس وجعَ الجسد، بل وجعُ الروح، ووجعُ الإيمان، ووجعُ الخوف على الإنسان، وعلى أولادنا، وعلى الأجيال التي ستأتي بعدنا.
نحن نعيش زمناً تتقدّم فيه المادية والعلمانية بقوة، وتتسلّل إلى تفاصيل الحياة بأشكال لا تنتهي. عالمٌ غارقٌ في الصور والأضواء والشاشات والإعلانات والترفيه، وفي أدوات اللهو والإلهاء التي لا تترك للعقل فرصةً طويلة كي يسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟ ولماذا خُلقنا؟ وما هي غايتنا الحقيقية؟
لقد أصبح الإنسان محاصراً بفيضٍ هائل من المعلومات، لكنه ليس بالضرورة فيضاً من المعرفة. ملايين الأخبار، المقاطع، التعليقات، الصور، الآراء، الترندات، الألعاب، المسلسلات، المنصات، والإشعارات… معلوماتٌ كثيرة، ولكنها في كثير من الأحيان سطحية، متقطعة، سريعة الاستهلاك، تستنزف الانتباه وتسرق من الإنسان أغلى ما يملك: الوعي والوقت والقدرة على التفكير في الأولويات الكبرى.
وفي الوقت نفسه، تتحرك نخبٌ ومراكز قوة عالمية باتجاهات تكنولوجية واقتصادية وثقافية هائلة. وليس السؤال فقط: ماذا يستطيع الإنسان أن يصنع؟ بل السؤال الأخطر: إلى أين يمكن أن تقود هذه القدرات البشرية إذا انفصلت عن الإيمان والأخلاق والغاية الإلهية؟
لقد دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والهندسة السلوكية، والتنبؤ بالسلوك، والمنصات التي تنافس على انتباه الإنسان، ثم نتجه نحو الذكاء الاصطناعي العام AGI، وربما نحو أنظمة أكثر قدرة وتأثيراً وهيمنة على تفاصيل الحياة. ومع التطور والحداثة والتكنولوجيا، تتسع أمام الإنسان ألوان الدنيا وأضواؤها ومغرياتها بصورة لم يعرفها تاريخ البشر من قبل.
وفي الروايات، نجد تحذيرات شديدة من فتن آخر الزمان، ومن التمحيص والغربلة. وقد وردت مضامين عن أن الناس «لَتُغَرْبَلُنَّ، ثُمَّ لَتُغَرْبَلُنَّ، ثُمَّ لَتُغَرْبَلُنَّ»، وعن شدة الفتن، وعن فتنة الدجال التي لا تشبهها فتنة. وتُنقل أيضاً روايات تتحدث عن فرح إبليس بظهور المال في الدنيا؛ وهذه النصوص، مع اختلاف درجات أسانيدها، تعبّر بوضوح عن معنى خطير: أن المال والدنيا والفتن يمكن أن تتحول من وسائل في يد الإنسان إلى أدوات تستعبد الإنسان وتُنسيه ربه.
ولهذا فإن المعركة ليست فقط مع الشهوة، ولا مع المال، ولا مع الشهرة، انها الادمان على الضياع.
إنها معركة على العقل والوعي والقلب.
هناك عناوين كثيرة تتزاحم اليوم لإبعاد الإنسان عن الله: المادية، الاستهلاك، الفردانية، الإغراق في الترفيه، عبادة الشهرة، تقديس السوق، تحويل الإنسان إلى مستهلك، إضعاف الأسرة، تفريغ القيم من معناها، النسبية الأخلاقية، الانشغال الدائم، الإدمان الرقمي، اقتصاد الانتباه، التضليل الإعلامي، الاستهلاك المفرط للمعلومات، التكنولوجيا التي لا تتوقف، ثم الذكاء الاصطناعي الذي قد يزداد حضوراً في كل تفاصيل الحياة.
ولا يعني ذلك أن كل علم أو تقنية أو حداثة شرّ؛ فالعلم نعمة، والتكنولوجيا أداة، ولكن الخطر يبدأ عندما تصبح الأداة غاية، وعندما تصبح الدنيا هي المركز، ويصبح الله والآخرة والروح والأخلاق هامشاً.
وهنا يكمن وجعنا الحقيقي.
لقد عانى جيلنا حتى يحافظ على دينه وإيمانه وسط هذه الموجات المتلاحقة. لكننا نخاف أن تكون معاناة أبنائنا أعظم، وأن تكون معاناة أحفادنا أعظم وأعظم.
ماذا سيحدث للإنسان بعد عقود، عندما يصبح العالم الرقمي أكثر التصاقاً بعقله، وأكثر قدرة على جذب انتباهه، والتأثير في اختياراته، وصناعة رغباته، وتوجيه سلوكه؟
*ماذا سيبقى من الإنسان إذا امتلك كل شيء، إلا قلباً يعرف الله؟*
نحن لا نبكي خوفاً من المستقبل التكنولوجي وحده؛ بل نبكي خوفاً على إيمان أولادنا، وعقولهم، ووعيهم، وفطرتهم، وأخلاقهم، وقدرتهم على معرفة الحق وسط عالم يزداد ضجيجاً وإغراءً وتشتيتاً.
وجعنا اليوم هو أننا نرى شيئاً من الطريق الذي قد تسير فيه البشرية، ونخشى أن يصل أولادنا إلى زمن يصبح فيه الابتعاد عن الله أسهل من أي وقت مضى، والعودة إليه أصعب من أي وقت مضى.
لذلك لا يكفي أن نحذّر.
علينا أن نبني الإنسان الذي يستطيع أن يعيش في قلب التكنولوجيا ولا يصبح عبداً لها، وأن يستعمل العلم دون أن يعبد العلم، وأن يستفيد من الدنيا دون أن تسكن الدنيا في قلبه، وأن يمتلك التكنولوجيا دون أن تمتلكه التكنولوجيا.
علينا أن نعيد للعقل رسالته، وللروح مكانتها، وللأسرة حصانتها، وللدين حضوره، وللأخلاق مركزيتها، وللإنسان غايته الكبرى: أن يعرف الله، ويزكو، ويعقل، ويعيش حياةً طيبةً كريمةً عادلة.
فإذا كان زماننا صعباً، فعلينا أن نربي جيلاً أقوى.
وإذا كانت الفتن عظيمة، فعلينا أن نزيد وعينا.
وإذا كانت الدنيا ترفع أصواتها، فعلينا أن نرفع صوت الإيمان.
وإذا كان العالم يملأ عقول أبنائنا بالمعلومات، فعلينا أن نعلّمهم الحكمة والمعنى والبصيرة.
فالخوف الحقيقي ليس أن يتقدم العالم. الخوف أن يتقدم العالم ويخسر الإنسان نفسه.
اللهم احفظ أبناءنا وأجيالنا القادمة، وثبّت قلوبهم على الإيمان، وأنر عقولهم بالوعي والحكمة، ولا تجعل الدنيا أكبر همّهم، ولا تجعل التكنولوجيا والمال والشهرة واللذة تحجبهم عنك.
اللّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ وَلِيِّنَا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا، وَقِلَّةَ عَدَدِنَا، وَشِدَّةَ الْفِتَنِ بِنَا، وَتَظَاهُرَ الزَّمَانِ عَلَيْنَا.
اللهم لا تتركنا لأنفسنا، ولا تترك أبناءنا لهذا العالم.
واجعلنا من الذين يعبرون زمن الفتن بالإيمان والعقل والبصيرة، حتى يأتي فرجك، وتشرق شمس حضارتك المشرقة القادمة.
*لا اخاف على أولادي شدة الحروب والمجازر والإبادة مع قربها ولا حتى المجاعة والعطش مع ظهور طلائعها، بقدر ما أخاف على نفسي وعلى أولادي والأجيال القادمة الامور التالية :*
أخاف أن تصبح المادية هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الإنسان.
أخاف أن تصبح الدنيا غايةً بدل أن تكون وسيلة.
أخاف أن يضعف الإيمان أمام سيل المغريات.
أخاف أن يصبح ذكر الله غريباً في حياة الإنسان اليومية.
أخاف أن تتحول العلمانية من فصل الدين عن الدولة إلى إقصاء الدين عن الحياة.
أخاف أن يفقد الإنسان إحساسه بالغيب والآخرة.
أخاف أن تتحول الحرية إلى انفلات من كل قيمة.
أخاف أن تصبح اللذة معياراً للنجاح.
أخاف أن تصبح الشهرة أهم من الفضيلة.
أخاف أن يصبح المال معيار قيمة الإنسان.
أخاف أن يتحول الإنسان إلى مستهلك دائم لا يشبع.
أخاف من اقتصادٍ يجعل الإنسان سلعةً وبياناته سلعةً وسلوكه سلعة.
أخاف من اقتصاد الانتباه الذي يتنافس على سرقة عقولنا ووقتنا.
أخاف من الإدمان على الهاتف والشاشات.
أخاف من أن تصبح الخوارزميات أقوى من إرادة الإنسان.
أخاف من الترفيه المستمر الذي لا يترك للعقل فرصةً للتأمل والتعقل.
أخاف من كثرة المعلومات وقلة المعرفة.
أخاف من كثرة المعرفة السطحية وقلة الحكمة والعبرة.
أخاف أن يعرف أبناؤنا كل شيء إلا لماذا خُلقوا.
أخاف أن يصبح الضجيج أقوى من صوت الفطرة.
أخاف من عالمٍ لا يستطيع فيه الإنسان أن يعيش دقائق بلا شاشة.
أخاف من أن تصبح الحياة الافتراضية أهم من الحياة الحقيقية.
أخاف من تفكك الأسرة تحت ضغط الفردانية والاستهلاك.
أخاف من ضعف العلاقة بين الأبناء والآباء.
أخاف من تراجع احترام كبار السن وأهل الخبرة.
أخاف من عزلة الإنسان رغم كثرة وسائل التواصل.
أخاف من الوحدة النفسية خلف عالمٍ مليء بالاتصالات.
أخاف من تطبيع القيم التي كانت الأسرة والدين يرفضانها.
أخاف من تحويل كل شيء إلى اختيار سلطوية بلا مرجعية أخلاقية ثابتة.
أخاف من أن يصبح الحلال والحرام مجرد مفاهيم تاريخية في نظر الأجيال القادمة.
أخاف من إضعاف الحياء والعفاف.
أخاف من تسليع الجسد والإنسان.
أخاف من أن تتحول العلاقات الإنسانية إلى علاقات مصلحة واستهلاك.
أخاف من تراجع الرحمة أمام منطق المنافسة.
أخاف من أن يصبح النجاح المادي أهم من صلاح الإنسان.
أخاف من أن تُختزل التربية في الحصول على وظيفة وراتب.
أخاف من تعليم الأبناء كيف ينجحون دون أن نعلمهم لماذا ينبغي أن يكونوا صالحين.
أخاف من علمٍ يتقدم بسرعة أكبر من الأخلاق التي تضبطه.
أخاف من تكنولوجيا قوية في أيدي بشر لم ينضجوا أخلاقياً بالقدر نفسه.
أخاف من الذكاء الاصطناعي إذا أصبح وسيلةً للتلاعب بالعقول والسلوك.
أخاف من الذكاء الاصطناعي العام إذا تجاوزت قدراته قدرة المجتمعات على ضبط مخاطره.
أخاف من أن يصبح الإنسان معتمداً على الآلة في التفكير واتخاذ القرار.
أخاف من أن نفقد تدريجياً قدرتنا على التفكير المستقل.
أخاف من أن تعرف الأنظمة عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا.
أخاف من التنبؤ بالسلوك قبل أن نختار سلوكنا.
أخاف من الهندسة السلوكية التي تجعل الإنسان يظن أنه مختار بينما جرى دفعه إلى الاختيار.
أخاف من المراقبة الرقمية الواسعة وفقدان الخصوصية.
أخاف من أن تصبح الخوارزميات قادرة على صناعة الرغبات قبل أن نشعر بها.
أخاف من أن تتحول التكنولوجيا من خدمة الإنسان إلى إدارة الإنسان.
أخاف من أن تصبح الحداثة تقدماً في الأدوات وتراجعاً في المعنى.
أخاف من أن يصبح التطور التقني أسرع من قدرة الإنسان على فهم نتائجه.
أخاف من أن تزداد قوة البشر بينما تضعف حكمتهم.
أخاف من أن تزداد المعلومات بينما يقل الوعي.
أخاف من أن تزداد السرعة بينما يضيع الاتجاه.
أخاف من أن تزداد وسائل التواصل بينما يقل التواصل الحقيقي.
أخاف من أن تزداد رفاهية الجسد بينما تزداد أمراض الروح.
أخاف من أن تصبح البشرية قادرة على فعل أشياء كثيرة دون أن تعرف أي الأشياء ينبغي أن تفعلها.
أخاف من أن تتخذ نخبٌ محدودة قرارات تؤثر في مستقبل البشرية كلها.
أخاف من أن تتحول المصالح الاقتصادية إلى قوة توجه الثقافة والعلم والسياسة.
أخاف من أن تصبح البشرية أسيرة نماذج اقتصادية لا تنظر إلا إلى النمو والاستهلاك.
أخاف من اتساع الفجوة بين من يملكون التكنولوجيا ومن يخضعون لها.
أخاف من استخدام العلم والتكنولوجيا في الهيمنة والحرب والسيطرة.
أخاف من أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على صناعة الفتنة وأكثر ضعفاً في مقاومتها.
أخاف من فتنةٍ تأتي إلى الإنسان من داخل جيبه وهاتفه وعقله لا من خارج بيته فقط.
أخاف من أن تصبح الفتنة مستمرةً، متجددةً، ومتكيفةً مع كل إنسان بحسب نقاط ضعفه.
أخاف من أن يصل أبناءنا إلى زمن يكون فيه الابتعاد عن الله أسهل من أي وقت مضى.
أخاف أن نترك لهم عالماً مليئاً بالأدوات، فقيراً بالمعنى.
أخاف أن نترك لهم حضارةً عظيمة في قوتها، ضعيفةً في رحمتها.
أخاف أن يرث أبناؤنا التكنولوجيا التي صنعناها، ويرثوا معها أزماتٍ لم نمتلك الشجاعة لمعالجتها.
وأخاف أكثر من كل ذلك أن نعتاد هذه الأمور حتى لا تعود تؤلمنا.
وأشد ما أخشاه: أن يأتي جيلٌ لا يشعر بأنه فقد شيئاً عندما يفقد صلته بالله؛ لأن العالم من حوله أقنعه منذ طفولته أن هذا الفقدان هو عينُ التقدم.
اخاف ان يقرأ اولادي هذا النص بشوق، لكن لا يستطيعون اكماله ربعه او نصفه، بسبب ما ادمنوا عليه في سوشيال ميديا من مقاطع قصيرة وملونة.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
