*حتى نستحقّ نصرَ، ليس كمثله نصر*

*حتى نستحقّ نصرَ، ليس كمثله نصر*

محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٩.٢١

أهل الجنوب لا يعيشون الحرب في نشرات الأخبار؛ يعيشونها في تفاصيل يومهم. أصوات القصف، التفجير، جدار الصوت، تذكرنا بما نقرأه عن أهوال يوم القيامة. في بيتٍ أُغلق بابه بعدما صار الرجوع إليه مؤجلاً، وفي أرضٍ بقيت تنتظر صاحبها، وفي أمٍّ تحسب ما بقي في خزانة البيت من طحين وزيت وأرز. يعيشونها في الطريق الطويل إلى مكانٍ أكثر أمناً وفيه القليل من الكرامة، وفي غرفةٍ ضيقة يتقاسم فيها أفراد العائلة النوم والقلق وذكرى الشهداء، وفي طفلٍ يسأل متى نعود إلى بيتنا، وفي أبٍ يحاول أن يبدو قوياً وهو لا يعرف ماذا سيحمل معه إذا اضطر إلى الرحيل مرة أخرى. وفي مجاهد يعرف أن ما يقوم به، حمل البشرية جمعاء، لأن مرض غامض حوّل كل الشعوب الى ربوتات، دون أن يشعرون.

 

هي مشقة الكهرباء والماء، وغلاء المعيشة، وتعطل الاعمال والأرزاق، وضياع المواسم، والخوف من الطريق، والقلق على البيت والأرض والأقارب. وهي أن تستيقظ على صوتٍ مجهول، وأن تنام وأنت تفكر في اليوم التالي. وهي أن يصبح أبسط شيء، كشراء الخبز أو تأمين الدواء أو إرسال الأولاد إلى المدرسة، مهمة تحتاج إلى حسابات طويلة.

ومع ذلك، يبقى الإنسان الجنوبي متعلقاً بأرضه. لا لأنه لا يتعب، بل لأنه تعب كثيراً. ولا لأنه لا يخاف، بل لأنه تعلّم أن الخوف لا ينبغي أن يتحول إلى اقتلاع الإنسان من جذوره ولا كرامة لانسان منزوع السلاح والعقل والعقيدة.

 

هذه المعاناة ليست شيئاً ينبغي تمجيده لذاته، ولا يجوز أن يتحول الفقر والتهجير والدمار إلى قدر دائم. إنما قيمتها في تحفيز الهمم و تجميع القوة و تحريك العقول وأنها تكشف مقدار ما تحمله الناس دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم، وتضع أمام الأجيال مسؤولية أن تجعل من هذه التضحيات طريقاً إلى حياة أكثر أمناً وكرامة وعدلاً. ثورة على كل ما يمنعنا من الثورة على عدو انتزع ارضنا وأحبابنا وعافيتنا.

 

*ومن هنا يأتي الأمل بالنصر الكبير الذي يحلم به كثيرون: تحرير الأرض، وعودة الناس إلى بيوتهم، وإعادة الإعمار وفتح الطريق أمام تواصلٍ حرّ مع الضفة الغربية المنتفضة، والوصول يوماً إلى الصلاة في المسجد الأقصى دون حواجز. وطيران العدو لا يعد يغير على قرانا لأن لا مطار لهم للرجوع إليه، المسيرات لا تصرخ في اذننا بعد ان قامت سلاح جديد باسقاطها كورق التوت. والأهم سيسترد الجنوبيين من قراهم بدل كل حجر دمروه عشرة احجار كريمة و بدل عملة نقدية سرقوه، عشرات قلادات من الذهب والفضة وبدل مركبة مزقوه، عشرة مركبات من احدث الموديلات و بدل شجرة نزعوه من الأرض، عشرات البساتين من بساتينهم الممكننة، أفقاً تتطلع إليه النفوس وتعمل من أجله، بعد ما رأت من توحش العدو وإجرامه.*

 

وإذا كان لهذا النصر أن يأتي، فإن استحقاقه لا يكون بالشعارات وحدها؛ بل بالصبر، وحفظ كرامة الناس، ورعاية الفقراء والمهجّرين، وحماية وحدة المجتمع، وتحويل الألم إلى بناء، والتضحيات إلى مستقبل. فانّما النصر صبر ساعة.

 

فأهل الجنوب لا يحتاجون فقط إلى من يتحدث عن صمودهم؛ يحتاجون إلى من يشعر بتعبهم، ويحفظ حقوقهم، ويعيد إعادة شملهم وجمعهم، قبل اعادة إعمار بيوتهم، ويجعل الأرض التي دفعوا من أجلها كل هذا الثمن جديرةً بالحياة.

 

فالنصر الحقيقي ليس أن نصل إلى الأرض فقط؛ بل أن نوقف العدو الذي غزى بلادنا منذ ١٩٧٥ و اجتاحنا منذ ١٩٨٢ عند حدوده. لا مطار يهاجمنا في الليل ولا مسيرات يتلف اعصاب أطفالنا ولا تفجيرات يوقض الفتيات من حجلاتها.

 

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

هل تستطيع الحوزة أن تنتج…

هل تستطيع الحوزة أن تنتج علوماً إنسانية إسلامية؟ حوار مع الأستاذ الدکتور…

*أزمة العقلانية في نموذج النخب…

*أزمة العقلانية في نموذج النخب المالية العالمية* محمد كوراني ٢٠٢٦.١٠.٠٨ في قلب…

*اتركوهم يعيشوا دنياهم واحصدوا النصر…

*اتركوهم يعيشوا دنياهم واحصدوا النصر القادم* محمد کورانی ۲۰۲۶.۱۰.۰۵ ​اتركوهم في فقاعتهم…

مقالات إضافية

هل تستطيع الحوزة أن تنتج…

هل تستطيع الحوزة أن تنتج علوماً إنسانية إسلامية؟ حوار مع الأستاذ الدکتور…

*أزمة العقلانية في نموذج النخب…

*أزمة العقلانية في نموذج النخب المالية العالمية* محمد كوراني ٢٠٢٦.١٠.٠٨ في قلب…

*اتركوهم يعيشوا دنياهم واحصدوا النصر…

*اتركوهم يعيشوا دنياهم واحصدوا النصر القادم* محمد کورانی ۲۰۲۶.۱۰.۰۵ ​اتركوهم في فقاعتهم…