*نَفْخُ الشعوب: كيف تعلّمنا الإمبراطورية أن نرقص على أنقاضنا*

*نَفْخُ الشعوب: كيف تعلّمنا الإمبراطورية أن نرقص على أنقاضنا*

مهدي كوراني ٢٠٢٦.٠٩.٢٠

*تحية طيبة إلى العقول المنفتحة* ، تحية طيبة، أيها الإنسان المعاصر. تحية إلى عقلك الذي صار بالوناً جميلاً، ملوّناً، يطير عالياً، لكنه فارغ تماماً من الداخل. تحية إلى وجدانك الذي لا يتسع لأكثر من ثلاثين ثانية – مدة إعلان تجاري واحد – بينما تحتاج جرائم الحرب إلى ثلاثين عاماً كي تُروى من دمائنا.

 

لقد نجحوا. نجحوا نجاحاً باهراً. ليس في إخضاعنا بالقنابل – فهذا كان صعباً ومكلفاً – بل في إخضاعنا بالضحك. جعلونا نضحك بينما تُدكّ مدننا، ونرقص بينما تُنهب ثرواتنا، ونتبادل “الميمز” بينما تُكتب قرارات مصيرنا في غرف لا نعرف عنوانها.

هذا ليس استعماراً. هذا فنّ. الاستعمار القديم كان يحتاج جيوشاً وعتاداً وسفناً. الجديد يحتاج فقط كاميرا، وشعاراً، وهاشتاغ.

 

*الفصل الأول: مدرسة الشعارات – حيث تُعلّم البربرية بابتسامة*

 

*الدرس الأول: “الحرية”*

هذه الكلمة الذهبية. تُنفخ في رؤوسنا منذ الصغر. الحرية! الحرية! حرية التعبير، حرية الاختيار، حرية السوق، حرية التنقل. كلمات تلمع كالذهب، لكنها في الحقيقة شعارات إعلانية لعرض تجاري اسمه “الهيمنة”.

حين ترفع شعوبنا هذه الكلمة، تظن أنها تكافح الرجعية. لكنها في الحقيقة تنفذ السيناريو المُعد لها سلفاً. الحرية التي يُروَّج لها ليست حرية الشعوب، بل حرية الرساميل. حرية أن ينهب المستثمر أرضك، وأن تبيعك شركة أجنبية ماءك وبترولك، وأن يخبرك مؤثر على “تيك توك” أن الثورة على قدراتك وقيمك قدرك ونزع العز و الكرامة عن فكرك إختيترك.

الحرية في الإمبراطورية الحديثة تعني: حريتك في أن تُستعبد بموافقتك.

 

*الدرس الثاني: “الديمقراطية”*

شعار آخر لامع. “الشعب يريد”، “الصندوق يقرر”، “صوتك سلاحك”. “صوتك يقرر”، جميل جداً. لكن السؤال البسيط: من يكتب أسماء المرشحين؟

في أوروبا وأمريكا، الديمقراطية تعمل، لأن المال يعمل. في بلادنا، الديمقراطية تُستورد كمنتج، لكنها تُشحن بدون بطارية. يُطلب من الشعوب أن تنتخب، لكن الخيارات مصنوعة في واشنطن وبروكسل والرياض. والسؤال الأهم: حين انتخبت الجزائر، فماذا حدث؟ حين انتخبت فلسطين، فماذا حدث؟ حين انتخبت مصر، فماذا حدث؟ حين إنتخبت تونس، فماذا حدث ؟

الديمقراطية في الإمبراطورية تعني: حقك في اختيار السيد الذي سيرضخ للسيّد الأكبر. نقطة على السطر.

 

*الدرس الثالث: “حقوق الإنسان”*

 

هذا الشعار الأكثر عبقرية. لأنه يجعل الأقوى حكماً والأضعف متهماً. حقوق الإنسان تُستخدم كعصا، لا كمبدأ. حين تحتل دولة عربية، يُقال: “انتهاكات حقوق الإنسان”. حين تقصف إسرائيل غزة، يُقال: “إسرائيل تملك حق الدفاع عن نفسها”. حين تُفرض عقوبات على إيران، يُقال: “لحماية الشعب الإيراني”. حين يُقتل سودانيون، يُقال: “الصراع الداخلي”. في افغانستان حقوق البشر، يظهر عندم المسلم يقتل غير مسلم.

حقوق الإنسان في الإمبراطورية تعني: حقنا في محاسبتكم، وحقكم في ألا تُحاسبوا.

 

*الدرس الرابع: “التقدم، الحداثة، التطوّر”*

شعار مقدس. “التقدم، التطور” يعني التكنولوجيا، والإنترنت، والهواتف الذكية. لكن التقدم في الإمبراطورية ليس تقدماً للإنسان، بل تقدماً لآلة الهيمنة. هاتف ذكي في يد طفل في الصومال، لكن جيشه لا يملك مضاداً للطائرات. تطبيق “أوبر” في السودان، لكن المستشفيات بلا أدوية. “5G” في لبنان، لكن الكهرباء تأتي ساعتين يومياً. ثورة في سوريا، لكن تحت الحصار حتى ترضخ حتى آخر نفس، لا يوجد استسلام نسبي بل مطلق، في كل علومهم القيم و الأمور نسبية، لكن عندما يصل الأمور للهيمنة والاستعبار لا يوجد الا المطلق.

التقدم في الإمبراطورية العالمية يعني: أن تكون متصلاً بالعالم، بينما العالم يقطف ثمارك.

 

*الفصل الثاني: مدرسة السطحية – كيف تُدرّب الشعوب على البربرية بالترفيه*

 

التلفزيون: آلة صنع الهبل، هنا تُصنع العقول. لا في المدارس، بل في غرف المعيشة. لا في الكتب، بل في الإعلانات. القنوات الغربية – والتوابعها – لا يعرض الحقيقة، بل يعرض ما تريدك أن تراه. وماذا يريد؟ أن ترى السخافة. أن ترى التفاهة. أن ترى البرامج الغبية. أن ترى حياة المشاهير.

لماذا؟ لأن الإنسان الذي يفكر في “نجوم الهوليود” لا يفكر في “شركات النفط”. الإنسان الذي يتابع “الحب الأول” لا يتابع “قرارات مجلس الأمن”. الإنسان الذي يشتري “الحقيبة الفلانية” بأغلى المهور، يبيع “أرضه” بأسخف الأسعار.

 

*الإعلام في الإمبراطورية ليس ترفيهاً. إنه تخدير.*

 

السينما: تحويل الحرب إلى فيلم

شاهد فيلم حرب. ماذا ترى؟ بطل أبيض، أنيق، يقتل الأشرار – وهم بطبيعة الحال ملونون أو مسلمون أو روس – ثم يفوز، ثم يعود إلى بيته، ثم يعيش بسعادة. لكن الحرب الحقيقية لا تعرض. لا تعرض الأطفال المقطّعين في العراق، ولا العائلات المحروقة في غزة، ولا القرى المدمرة في أفغانستان، ولا ملايين اللاجئين في العالم.

لماذا؟ لأن الحقيقة لا تبيع التذاكر. السينما في الإمبراطورية ليست فناً، بل غسيل دماغ. تجعلنا نعيش الحروب كما لو كانت ألعاباً، وننسى أن ضحاياها بشر.

 

*السوشيال ميديا: آخر الأخبار في ثلاثين ثانية*

 

انظر إلى شاشة هاتفك. ماذا ترى؟ “فيديو مضحك لقط!”، “شاهد كيف رقص المشهور!”، “وصفة سريعة للكنافة!”. العالم ينفجر، وأنت تشاهد “كنافة تمغط”. فلسطين تُقصف، وأنت تشاهد “طريقة عمل الكشري”. السودان يحترق، وأنت تشاهد “تحدي دلو الثلج”.

 

السوشيال ميديا في الإمبراطورية ليست تواصلاً، بل تفتيتاً. تفتيت الانتباه، تفتيت الوعي، تفتيت الإرادة. حتى يصبح الإنسان رقماً في خوارزمية، لا مواطناً في دولة.

 

*الملابس والماركات: الهوية كمنتج*

“من أنت؟” سؤال بسيط. الجواب في الإمبراطورية: “أنا من يلبس نايكي”. “أنا من يحمل آيفون”. “أنا من يضع عطر ديور”. الهوية ليست قومية، ولا ديناً، ولا تاريخاً. الهوية علامة تجارية.

لماذا؟ لأن الإنسان الذي يشتري ماركة، لا يشتري أرضاً. الإنسان الذي يفتخر بحقيبة، لا يفتخر بوطن. الإمبراطورية تمنحك هوية تُباع وتُشترى، لتنسى أن الهوية تُولد وتُصان.

 

*الفصل الثالث: مدرسة الفوضى – كيف تُدرب الشعوب على الهيمنة باسم الثورة*

“الثورات الملونة”: ديمقراطية على طريقة الغرب

 

انظر إلى ما حدث في أوروبا الشرقية، وفي الشرق الأوسط، وفي أمريكا اللاتينية. “الثورات الملونة”. “الربيع العربي”. “الثورة البرتقالية”. “حركة السترات الصفراء”. كلها حركات “شعبية”. لكن من يمولها؟ منظمات غير حكومية ممولة من واشنطن وبروكسل. من يدرّبها؟ خبراء في تقنيات التغيير. من يخرج بها إلى الإعلام؟ قنوات غربية.

 

النتيجة: دول مفككة، وفوضى دائمة، وضعف دائم. لأن الإمبراطورية لا تريد “ديمقراطيات ناجحة”، بل تريد ديمقراطيات ضعيفة، قابلة للابتزاز، ومحتاجة للحماية، وعاجزة عن المنافسة.

 

هذا ليس تحريراً. هذا استعمار بثوب ديمقراطي.

“المجتمع المدني”: قنبلة موقوتة بابتسامة

“المجتمع المدني”. صوت آخر لامع. منظمات حقوقية، وجمعيات خيرية، ومؤسسات تنموية. لكن من يملؤها بالمال؟ من يحدد أجندتها؟ من يحميها؟ الجواب معروف.

المجتمع المدني في الإمبراطورية ليس سلطة بديلة، بل سلطة مساعدة. يُضعف الدولة، ويفكك المجتمع، ويخلق ولاءات بديلة. حتى يصبح المواطن تابعاً لجمعية أجنبية، لا لدولته.

 

*”الديمقراطية الرقمية”: حرية في الهواء، سيطرة في الأرض*

 

“الميتافيرس”، “العملات الرقمية”، “الذكاء الاصطناعي”. شعارات تلمع. لكن من يملك البيانات؟ من يملك الخوادم؟ من يملك الخوارزميات؟ شركات غربية. غوغل، وآبل، وميتا، وأمازون، ومايكروسوفت. وهي شركات أقوى من دول، وأغنى من اقتصاداتنا، وأكثر تسليحاً من جيوش.

 

الديمقراطية الرقمية في الإمبراطورية تعني: حقك في التصويت على هاتفك، بينما قرارك يُكتب في خوادمهم.

 

*الفصل الرابع: التناقض الأكبر – شعارات للصغار، أسلحة للكبار*

 

وهنا نصل إلى القمة. الإمبراطورية تنفخ في الشعوب شعارات، لكنها تحتفظ بالحقائق لنفسها. أنظر إلى المشهد:

 

الشعوب تُشجّع على “المقاومة” بالكلمات واللافتات، لكن الدبابات لا تتحرك.

الشعوب تُشجّع على “الحرية” بالمنشورات والهاشتاغات، لكن الحدود لا تُفتح.

الشعوب تُشجّع على “نبذ العنف” بالخطابات، لكن الأسلحة النووية تتكدس.

الشعوب تُشجّع على “التسامح” بالمناسبات، لكن الحصار لا يُرفع.

الشعوب تُشجّع على “الديمقراطية” في بلادها، لكن الحلفاء الديكتاتوريين يُحمَون.

الشعوب تُشجّع على “حقوق الإنسان” في خطاباتهم، لكن مجرمي الحرب يُستقبلون في عواصمهم.

هذا هو التناقض الأكبر. الشعارات للشعوب، والسلاح للدول. الشعارات تبقى في الهواء، والسلاح يبقى في الأرض. الشعارات تُنفخ، والسلاح يقتل. الشعارات تُضحك، والسلاح يُبكي.

لماذا؟ لأن الإمبراطورية تعرف أن الشعارات لا تُسقط دبابة، لكنها تُسقط ثورة. الشعارات لا تُحرر وطناً، لكنها تُخدّر شعباً. الشعارات لا تُطعم جائعاً، لكنها تُسكت جائعاً.

 

*الفصل الخامس: نحن المتهمون – لأننا صدّقنا*

والحقيقة المرة: الإمبراطورية لم تنجح وحدها. نحن ساعدناها. نحن الذين ضحكنا على “البرامج الغبية”. نحن الذين رقصنا على “الأغاني التافهة”. نحن الذين اشترينا “المنتجات الغربية”. نحن الذين تخلينا عن لغتنا، وتاريخنا، وهويتنا. نحن الذين صدّقنا أن “الفقر قدر”، وأن “الغرب هو الحلم”، وأن “التقدم هو التكنولوجيا”.

نحن الذين نفخنا الشعارات بأفواهنا، ورفعنا الأعلام الزائفة بأيدينا، وصفقنا للقادة الذين يُنفّذون الأجندات الأجنبية.

نحن الشركاء في هذه الجريمة. نحن الضحايا والجلادون في الوقت نفسه.

 

*كيف نستعيد عقولنا؟*

السؤال الآن: ماذا بعد؟ كيف نستعيد عقولنا؟

أولاً: لنكف عن التصفيق. لنكف عن تصديق كل ما يُقال. لنكف عن رفع الشعارات التي لا نفهمها. لنكف عن متابعة التفاهات.

ثانياً: لنعد إلى الجذور. إلى اللغة، وإلى التاريخ، وإلى الهوية. إلى ما يجعلنا نحن، لا ما يجعلنا نسخة باهتة من الآخر.

ثالثاً: لنبنِ البدائل. بدائل إعلامية، وبدائل اقتصادية، وبدائل تعليمية، وبدائل ثقافية. لن ننتظر من الإمبراطورية أن تُصلح نفسها. الإمبراطورية لا تُصلح، بل تُستبدل.

رابعاً: لنفكّر. لنفكّر في الحرب الحقيقية، وفي الهيمنة الحقيقية، وفي الاستعمار الحقيقي. لنفكّر في ما بعد الشعارات.

لكن الأهم: لنعترف. لنعترف أننا كنا مخدوعين، وأننا كنا سطحيين، وأننا كنا برابرة في حضارة زائفة. لأن الاعتراف هو أول خطوة نحو التحرر.

الإمبراطورية لم تفز علينا بالقوة. فازت علينا بجهلنا. ونحن، وحدنا، من يستطيع أن يهزمها بمعرفته.

….

إلى كل من قرأ هذا المقال وضحك، ثم فكّر، ثم خجل، ثم قرر أن يتغير: أنت لم تخسر بعد. فحاول أن لا تكون ضحية الإمبراطورية من الآن فصاعدا.

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

هل تستطيع الحوزة أن تنتج…

هل تستطيع الحوزة أن تنتج علوماً إنسانية إسلامية؟ حوار مع الأستاذ الدکتور…

*أزمة العقلانية في نموذج النخب…

*أزمة العقلانية في نموذج النخب المالية العالمية* محمد كوراني ٢٠٢٦.١٠.٠٨ في قلب…

*اتركوهم يعيشوا دنياهم واحصدوا النصر…

*اتركوهم يعيشوا دنياهم واحصدوا النصر القادم* محمد کورانی ۲۰۲۶.۱۰.۰۵ ​اتركوهم في فقاعتهم…

مقالات إضافية

هل تستطيع الحوزة أن تنتج…

هل تستطيع الحوزة أن تنتج علوماً إنسانية إسلامية؟ حوار مع الأستاذ الدکتور…

*أزمة العقلانية في نموذج النخب…

*أزمة العقلانية في نموذج النخب المالية العالمية* محمد كوراني ٢٠٢٦.١٠.٠٨ في قلب…

*اتركوهم يعيشوا دنياهم واحصدوا النصر…

*اتركوهم يعيشوا دنياهم واحصدوا النصر القادم* محمد کورانی ۲۰۲۶.۱۰.۰۵ ​اتركوهم في فقاعتهم…