*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات، نخب التمويل، ونقطة تحول الشرق الأوسط”* محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٨.٢٣
معركة النظريات الحاكمة : في لحظة تاريخية يتسارع فيها تغير ملامح النظام العالمي، لا يكفي أن نسأل: أي نظرية تفسر العالم اليوم؟ بل السؤال الأعمق والأكثر إلحاحاً: من يملك القدرة على جعل نظريته هي النظرية الحاكمة؟
فالنظريات الكبرى – من “صدام الحضارات” لهنتنغتون، إلى “نهاية التاريخ” لفوكوياما، ومن “تعدد الحداثات” لآيزنشتات إلى “العولمة” لروبرتسون وغيدنز – ليست مجرد تأملات أكاديمية. إنها برامج سياسية وحضارية تتنافس على التمويل، والنفوذ المؤسسي، وترجمة الأفكار إلى سياسات عالمية.
وما لم ننتبه إليه غالباً هو أن هذه النظريات لا تنتصر بالحجة وحدها، بل عبر شبكات النخب العابرة للقوميات، والرأسمالية الخيرية التي تمول مراكز الأبحاث، وآليات الحوكمة العالمية من دون حكومة عالمية التي تنتج المعايير والقواعد. وفي هذا السياق، يصبح السؤال المحوري: من يحدد المشكلات العالمية التي ينبغي حلها؟ ومن يضع الحلول المقبولة؟ ومن يمتلك الأدوات المالية والمؤسسية لجعل هذه الحلول واقعاً مفروضاً؟
*أولاً: خريطة النظريات والأعلام*
لفهم المشهد، لا بد من استعراض الموجات الفكرية الرئيسية التي شكلت النقاش حول مستقبل الحضارات والنظام العالمي:
1. موجة الصدام والتناحر العالمي: بدأت مع صموئيل هنتنغتون في مقاله الشهير (1993) ثم كتابه، الذي رأى أن الصراع بعد الحرب الباردة سيكون بين كتل حضارية كبرى (إسلامية، كونفوشيوسية، غربية). وقد انتقد هذه الرؤية العديدون، لكنها بقيت إطاراً تفسيرياً مؤثراً في دوائر صنع القرار الغربية.
2. موجة نهاية التاريخ: التي أطلقها فرانسيس فوكوياما (1992) ذاهباً إلى أن انتصار الليبرالية والديمقراطية السوقية يمثل نهاية التطور الأيديولوجي للبشرية. وهنا يظهر نقد عميق من مفكرين مثل أرنولد توينبي الذي رأى في تاريخ الحضارات صعوداً وسقوطاً دورياً، وس.ن. آيزنشتات الذي أسس لنظرية “الحداثات المتعددة” ونفى وجود نموذج حداثي واحد.
3. موجة العولمة وإعادة تعريف الحضارة: مع رولاند روبرتسون الذي صاغ مفهوم “عولمة الحضارات”، وأنتوني غيدنز وأولريش بيك اللذين تحدثا عن “المخاطر العالمية” و”المجتمع العالمي المخاطر”، حيث لم تعد الحدود الوطنية كافية لفهم التحولات.
4. موجة الحوار والتعايش: التي مثلها الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي في مشروعه “حوار الحضارات”، واللاهوتي هانس كونغ في مشروعه “الأخلاق العالمية”، كبديل عن منطق الصدام.
5. موجة النظام العالمي المستدام: التي يمثلها فرانك بيرمان (في نظرية حوكمة الأرض)، ويوهان روكستروم (مفهوم الحدود الكوكبية)، وإلينور أوستروم (الحوكمة المشتركة للموارد)، وهي تركز على الاستدامة البيئية كأساس لأي نظام عالمي مستقبلي.
*ثانياً: الآليات الخفية لتحديد النظرية الحاكمة*
هنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية في هذا المقال. النظريات لا تنتقل إلى واقع سياسي بعفوية، بل من خلال:
· الرأسمالية الخيرية (Philanthrocapitalism): حيث تحولت مؤسسات خيرية كبرى من مجرد مانحين إلى فاعلين في تصميم السياسات، كما توثق الدراسات الحديثة (مثل أعمال ماكغوي وآخرين في 2026). هذه المؤسسات تمول مراكز الأبحاث والجامعات، وتضع مؤشرات للتنمية والاستدامة، وتختار الخبراء المشاركين في المؤتمرات الدولية.
· شبكات النخب العابرة للقوميات: التي تدرسها أدبيات علم الاجتماع السياسي (مثل أعمال كارول، سكلير، فان دير بيل) وتصف كيف تتداخل مصالح رأس المال الخاص مع الدول والمؤسسات العامة.
· الحوكمة العالمية دون حكومة عالمية: وهو نموذج وصفته أدبيات متعددة، حيث تتفاعل الدول مع الشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية، والمنظمات غير الحكومية، وشبكات الخبراء لإنتاج قواعد وسياسات عالمية، دون وجود سلطة سياسية مركزية واحدة.
· المنتدى الاقتصادي العالمي ومفهوم “الرأسمالية أصحاب المصلحة”: وهو المشروع الذي روج له كلاوس شواب، والذي يهدف إلى إعادة تعريف مسؤولية الشركات تجاه المجتمع والبيئة، ويمثل نموذجاً معاصراً للتداخل بين المال والسياسة والأفكار.
وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل هذه الآليات تؤدي إلى عالم أكثر عدلاً، أم أنها تعيد إنتاج هيمنة النخب الغربية والمالية بصيغ جديدة؟
*ثالثاً: الشرق الأوسط.. نقطة تحول الحضارات*
وخلافاً لكل هذه النظريات والآليات، هناك حدث جارٍ في الشرق الأوسط لا يمكن اختزاله في أي من هذه الإطارات السابقة.
ما يحصل اليوم في غزة، لبنان، إيران، واليمن ليس مجرد صراع إقليمي، وليس مجرد حلقة في صدام الحضارات أو مشروع رأسمالي خيري. إنه معركة وجودية حول شكل الحضارة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. نكون أو لا نكون
هذه المنطقة التي كانت في قلب المشروع الاستعماري القديم، وصارت في العقدين الأخيرين ساحة لتجريب النظريات الغربية في بناء الدولة، تقدم اليوم مشهداً مغايراً تماماً:
· إنها تكشف حدود القوة العسكرية والتكنولوجية أمام الإرادة المقاومة، وتفشل كل محاولات فرض “النموذج الغربي” بالقوة.
· إنها تعيد طرح سؤال العدالة العالمية بصورته الأكثر خشونة: هل يمكن لنظام عالمي أن يستمر إذا كان يعجز عن وقف إبادة جماعية تنقل على الهواء مباشرة؟
· إنها تثبت أن الفاعلين الجدد في العالم ليسوا فقط الدول والنخب المالية، بل الشعوب والمقاومات ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوض احتكار النخب التقليدية لصناعة المعنى والسياسة.
· إنها تخلق واقعاً جديداً على الأرض (مقاومة، صمود، تضامن إقليمي، كشف زيف المؤسسات الدولية) يجبر كل النظريات على مراجعة نفسها.
الشرق الأوسط اليوم يعيد تعريف “الممكن” و”المستحيل” في السياسة العالمية.
فغزة لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل أصبحت رمزاً يتحدى الرواية الليبرالية لحقوق الإنسان، والنموذج النيوليبرالي للأسواق، ومشاريع الرأسمالية الخيرية التي تتعامل مع الأزمات كحالات طارئة تحتاج إلى إدارة، لا إلى حل جذري.
*شيء عظيم يحدث*
إذا كانت النخب العالمية تسابق الزمن لترسيخ رؤيتها للنظام العالمي القادم، وإذا كانت مؤسسات التمويل والبحوث تعمل بصمت لتحديد أي النظريات تصبح “الحقيقة المقبولة”، فإن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم يقلب الطاولة على الجميع.
هناك شيء عظيم يحدث بالفعل:
· إنه إعادة إحياء لسؤال الكرامة والعدالة في صلب النقاش العالمي، بعد أن كان محتكراً من خطابات النخب.
· إنه كشف للفجوة بين المؤسسات الدولية التي تدعي العالمية والأفعال التي تمارسها، مما يفقدها شرعيتها الأخلاقية.
· إنه بروز لنموذج مقاوم في مواجهة أعتى الآلات العسكرية والمالية، يُظهر أن الحضارة لا تُصنع من الأعلى فقط، بل تُصنع أيضاً من الأسفل، من دماء الشهداء وصمود المحاصرين.
إن سؤال “من يحدد شكل الحضارة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين؟” لم يعد محصوراً في قاعات المؤتمرات أو مكاتب صناديق الثروة. الشرق الأوسط يكتب إجابة مختلفة تماماً، إجابة لا تظهر في تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، ولا في خطابات مراكز الأبحاث الممولة من الرأسمالية الخيرية.
إنها إجابة تٌكتب بالدم، والحجر، والصوت، والإرادة، وتقول للعالم بأسره:
المستقبل ليس ملكاً لمن يموله، بل لمن يستحقّه. و اهل غزة ولبنان و شعب ايران واليمن اثبتوا انهم يستحقون الوجود في المستقبل و يكافحون من أجل البقاء في الحضارة الألفية القادمة.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
