*من تعظيم الإنسان إلى معرفة الإنسان: نحو إعادة تأسيس العلوم الإنسانية*

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة الإنسان: نحو إعادة تأسيس العلوم الإنسانية* محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٨.٢٣

تحتاج العلوم الإنسانية الحديثة إلى مراجعة عميقة لنقطة انطلاقها: أيُّ إنسان هو موضوعها؟

فحين تتحول «مركزية الإنسان» إلى تعظيم مطلق للإنسان لمجرد كونه إنسانًا، يصبح من الممكن أن يُوضَع الإنسان المتوحش، الشهواني، السفاح، الجاهل، الغافل، والمستبد في المرتبة نفسها من حيث القيمة الإنسانية مع الإنسان العاقل، العادل، المزكّى، الرحيم، العارف، والحكيم الذي يسيطر عقله على شهواته و نزواته. وهنا تتحول دراسة الإنسان إلى تمجيد للإنسان كما هو بدل أن تكون علمًا يبحث في الإنسان كما ينبغي أن يكون.

 

أما المنظور العرفاني الإسلامي فيبدأ من سؤال أكثر صرامة:

هل ينبغي أن نعظّم الإنسان لمجرد إنسانيته، أم ينبغي أولًا أن نعرف حقيقة الإنسان ومراتب كماله ونقصه؟ ونمجده ونعظمه للروح الذي نفخ فيه.

وهنا تصبح عبارة:

«من عرف نفسه فقد عرف ربه»

مفتاحًا معرفيًا بالغ الأهمية، مع التنبيه إلى أن هذه العبارة مشهورة في التراث الصوفي والعرفاني، وإن كان الكلام في سندها الحديثي معروفًا بين العلماء.

فالإنسان إذا عرف نفسه معرفة حقيقية، لا يكتشف أنه مركز الوجود المطلق، بل يكتشف العكس تمامًا: أنه فقير، حادث، محتاج، محدود، متغير، وغير مستقل في وجوده.

أنا موجود، لكنني لم أُوجد نفسي.

أنا عاقل، لكن عقلي محدود.

أنا أريد، لكنني لم أختر أصل وجودي.

أنا أملك المعرفة، لكنني أحتاج إلى من علّمني و ادخل اليمان الى قلبي و ثبته باليقين.

أنا أبحث عن الحقيقة، لكنني لست الحقيقة المطلقة.

ومن هنا يصبح الإنسان أكثر تواضعًا أمام الوجود، لا أقل قيمة.

ويعبّر القرآن عن هذه الحقيقة بقوة:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

(فاطر: 15)

فالإنسان لا يبلغ عظمته بإنكار فقره، وإنما بمعرفته.

وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الطبيعي والإنسان الكامل في التصور العرفاني. فالإنسان الكامل ليس الإنسان الذي تحرر من كل معيار اخلاقي و انساني، وإنما الإنسان الذي بلغ أعلى درجات العبودية والمعرفة والتزكية، فأصبح أكثر قدرة على تجسيد العقل والعدل والرحمة والحكمة.

وبذلك لا يكون الهدف من العلوم الإنسانية أن تقول للإنسان: أنت كامل لأنك إنسان، بل أن تسأل:

ما الإنسان؟ ما حدوده؟ ما الذي يفسده؟ ما الذي يكمّله؟ ما الذي يجعله عادلًا بدل أن يكون ظالمًا، عاقلًا بدل أن يكون غافلًا، رحيمًا بدل أن يكون سفاحًا، ومتحكمًا في شهوته بدل أن يكون عبدًا لها؟

ومن هنا نحتاج إلى إعادة النظر في العلوم الإنسانية كلها: علم النفس، والاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والتربية، والأنثروبولوجيا، وفلسفة الإنسان؛ بحيث لا يكون الإنسان المتوحش والشهواني والجاهل هو النموذج النهائي الذي تُقاس عليه الإنسانية، ولا يكون مجرد إشباع رغباته هو معيار تقدمه.

بل يصبح الإنسان الكامل أفقًا للبحث: الإنسان الذي يعرف نفسه، ويعرف فقره، ويعرف ربه، ويزكي عقله ونفسه، ويرتقي من الضرورة والشهوة والغفلة إلى العقل والعدل والمعرفة والعبودية.

وهكذا يمكن أن تنتقل العلوم الإنسانية من سؤال:

«كيف نفهم الإنسان كما هو؟»

إلى سؤال أعمق:

«كيف نفهم الإنسان كما هو، لكي نعرف كيف يمكن أن يصير وما ينبغي أن يكون؟»

فمعرفة الإنسان تبدأ من الاعتراف بنقصه، ولا تنتهي إلا بالبحث عن كماله. ومن عرف نفسه بوصفه فقيرًا ومحتاجًا، بدأ طريق معرفة ربه؛ ومن عرف ربه، لم يعد قادرًا على تأليه الإنسان، بل أصبح قادرًا على فهم الإنسان في مرتبته الصحيحة: مخلوقًا مكرّمًا، لا إلهًا؛ قابلًا للكمال، لا كاملًا بذاته.

 

https://mohammadabbaskawrani.com

#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة  #Merciful_Dignified_Civilization

#العلوم.الانسانية.الاسلامية

روابط إضافية

مقالات إضافية

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات،…

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات، نخب التمويل، ونقطة تحول الشرق الأوسط”* محمد…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة الإنسان: نحو إعادة تأسيس العلوم الإنسانية* محمد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد التجليات: قراءة عرفانية في نقد النسبية في…

مقالات إضافية

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات،…

*”من يملك المستقبل؟ صراع النظريات، نخب التمويل، ونقطة تحول الشرق الأوسط”* محمد…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة…

*من تعظيم الإنسان إلى معرفة الإنسان: نحو إعادة تأسيس العلوم الإنسانية* محمد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد…

*من وحدة الحقيقة إلى تعدد التجليات: قراءة عرفانية في نقد النسبية في…