*من وحدة الحقيقة إلى تعدد التجليات: قراءة عرفانية في نقد النسبية في العلوم الإنسانية* محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٨.٢٢
النسبية في العلوم الإنسانية الغربية هي مبدأ فكري ينص على أن الحقائق والقيم والمعايير ليست ثابتة أو مطلقة، بل تتغير وتختلف بناءً على السياق الثقافي والتاريخي والاجتماعي. هذه النسبية بين البشر هي موجودة لأن كل واحد لديه فهمه الخاص و اصولا الطرق الى الله بعدد نفوس الخلائق، لكن الاعتقاد بالنسبية في اصل القيم والحقائق خطير جدا، حيث ينسف المصدر الواحد للحقائق والربوبية وإله الواحد.
مفهوم النسبية الإنسانية في النظرة الاولى تعني أن فهم الإنسان وسلوكه وتاريخه يعتمد على بيئته وعاداته وعصره.
*ترفض فكرة وجود معايير واحدة ومطلقة لتفسير كل الثقافات والأزمنة.*
تعتبر الأحكام في التاريخ والأدب وعلم الاجتماع مرتبطة بمنظور الباحث والمجتمع.
*أشكال النسبية في العلوم الإنسانية :*
النسبية الثقافية: تؤكد أن القيم والأخلاق تختلف بين مجتمع وآخر.
النسبية التاريخية: ترى أن الأفكار والمعارف تتغير مع تطور العصور والأزمنة.
النسبية المعرفية: تعتبر أن العلوم الإنسانية علوم احتمالية وليست دقيقة كفيزياء المطلقات.
*خصائص المعرفة الإنسانية :*
تعتمد على الاحتمال والتأويل بدلاً من القوانين الحتمية الصارمة.
تتطور باستمرار لتغني الفكر البشري وتصحح المفاهيم السابقة.
تتأثر باللغة وطريقة تفكير المراقب وسياقه.
*الحقائق في العرفان الاسلامي :*
تقدم العرفانية الإسلامية تصورًا مختلفًا جذريًا عن الفلسفات التي تجعل الحقيقة والقيم نتاجًا نسبيًا للإنسان أو للمجتمع أو للثقافة. فالنقطة المركزية في الرؤية العرفانية هي أن تعدد صور الوجود والمعرفة لا يعني تعدد الحقيقة في ذاتها، وأن اختلاف الموجودات واللغات والثقافات والمراتب إنما يرجع إلى اختلاف التعينات والقوابل ودرجات التجلي.
ومن هنا يمكن بناء نقد عميق للنسبية، مع ضرورة التمييز بين النسبية المنهجية المشروعة، كاختلاف وجهات النظر أو اختلاف السياقات الاجتماعية، وبين النسبية الفلسفية المطلقة التي تنكر وجود حقيقة أو قيمة تتجاوز الإنسان والثقافة.
*أولًا: الحقيقة واحدة، والتجليات متعددة*
ينطلق التصور العرفاني من التوحيد:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
فالحق سبحانه ليس حقيقة من بين حقائق متعددة، وإنما هو أصل الحقيقة ومصدر الوجود.
لكن هذا لا يعني أن العالم نسخة واحدة متكررة من الحقيقة؛ فالوجود يظهر في مراتب متعددة، وتتعدد فيه التعينات والصفات والآثار كل بحسب استعداده. عندما تضع مرايا متنوعة و مختلفة امام صورة ضوئية.
وهنا يجب التمييز بين:
وحدة الحقيقة و تعدد التجليات.
فالتعدد في المظاهر لا يستلزم التعدد في الأصل.
ولهذا يمكن أن نقول:
الحقيقة واحدة في أصلها، متعددة في مظاهرها، متفاوتة في درجات ظهورها بحسب اختلاف القوابل والتعينات.
وهذه قاعدة أساسية يمكن استخدامها في نقد النسبية المعرفية والأخلاقية.
*ثانيًا: «كلمات الله» غير متناهية، ولكن المصدر واحد*
يقول القرآن: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (الكهف: 109)
ويقول: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (لقمان: 27)
في القراءة العرفانية، هذه الآيات تفتح بابًا واسعًا لفهم العالم باعتباره مظهرًا للكلمات الإلهية.
فالكثرة الهائلة الموجودة في الكون لا تعني وجود حقائق مستقلة عن الله، بل تعني تعدد الآثار والتعينات والمظاهر.
وهنا تظهر معادلة عرفانية مهمة:
وحدة المصدر لا تمنع تعدد المظاهر.
بل يمكن القول: كلما اتسعت مراتب الوجود، اتسعت صور التجلي، من غير أن تتعدد الحقيقة الإلهية في ذاتها.
*ثالثًا: التجلي ليس هو التجزؤ*
وهنا ينبغي الحذر من سوء فهم أساسي.
عندما نقول: إن الله يتجلى في الخلق، لا يعني ذلك أن ذات الله تتجزأ، أو أن جزءًا من الله يصبح شجرة، وجزءًا يصبح إنسانًا، وجزءًا يصبح كوكبًا.
هذا يتعارض مع التنزيه.
التجلي يتعلق بـ ظهور آثار الأسماء والصفات في القوابل، لا بانقسام الذات الإلهية.
فالرحمة تظهر في موضع.
والقدرة تظهر في موضع.
والحكمة تظهر في موضع.
والرزق يظهر في موضع.
والجمال يظهر في موضع.
لكن مصدر هذه الأسماء واحد.
وهكذا يمكن تفسير الكثرة دون الوقوع في القول بتعدد الآلهة أو حلول الله في العالم.
*رابعًا: القابل يحدد صورة التجلي*
وهنا نصل إلى مفهوم مهم في العرفان: القابلية والاستعداد
فالماء الصافي يعكس الصورة بوضوح أكبر من الماء المضطرب.
ولا يعني اختلاف الانعكاسين أن الشمس نفسها اختلفت.
وهكذا تختلف الموجودات بحسب قابليتها.
فالإنسان ليس كالحيوان.
والحيوان ليس كالنبات.
والنبات ليس كالجماد.
والعقل ليس كالحس.
والقلب العارف ليس كالعقل الذي لم يزكَّ.
وبالتالي:
الاختلاف بين المظاهر لا يدل بالضرورة على اختلاف الحقيقة، وإنما قد يدل على اختلاف القابلية والتعين.
وهذا بالضبط هو الموضع الذي يمكن فيه بناء نقد فلسفي للنسبية.
*خامسًا: القرآن نفسه يمكن أن يُفهم ضمن هذا المنطق*
ينبغي هنا إجراء تمييز دقيق بين القرآن بوصفه كلام الله المنزل وبين ظهوره وفهمه وتحققه في العوالم.
فالقرآن واحد من حيث مصدره ووحيه، لكن الإنسان يتلقاه بحسب مستواه:
العالم يفهم منه ما لا يفهمه الجاهل.
والفقيه يستنبط منه ما لا يستنبطه غير المتخصص.
والعارف يتأمل في آفاقه المعنوية.
والإنسان العادي قد يتلقى منه الهداية الأساسية.
لكن حقيقة القرآن و باطنه الكامل موجودة في قلب المعصوم.
فالاختلاف في التلقي والفهم والتجلي المعرفي لا يعني أن القرآن نفسه أصبح حقائق متناقضة.
وهذا ينسجم مع مبدأ:
وحدة الحقيقة مع تعدد مراتب الفهم.
كما ان القرآن نفسه لم ينف نزوله دفعة واحدة مع اننا نعرف كل آية او سورة صغيرة كانت تنزل وحيا على رسول الله بشكل مستقل وبحسب شأن نزوله.
*سادسًا: من هنا يظهر الخطأ في النسبية المطلقة*
النسبية المطلقة تقول، بصور مختلفة:
لا توجد حقيقة واحدة تتجاوز الإنسان والثقافة؛ فما نعدّه حقيقة أو قيمة يتحدد من خلال الإنسان أو اللغة أو المجتمع أو الثقافة.
لكن هنا تظهر مشكلة فلسفية شديدة:
إذا كانت كل حقيقة نسبية، فهل هذه القضية نفسها نسبية؟
إذا كان القول: «لا توجد حقيقة مطلقة»
حقيقة مطلقة، فقد ناقض نفسه.
وإذا كان هو أيضًا نسبيًا، فلا يستطيع إلزام الآخرين به.
ولهذا فإن النسبية المطلقة تواجه مشكلة المرجعية الذاتية.
أما العرفان فينطلق من نقطة مختلفة:
الحقيقة المطلقة موجودة، لكن قدرة الموجود المحدود على إدراكها ليست مطلقة.
وهذا حل مختلف جذريًا.
*سابعًا: الاختلاف المعرفي لا يعني نسبية الحقيقة*
يمكن أن يكون شخصان مختلفين في فهم مسألة معينة.
وقد تختلف الثقافات.
وقد تختلف المدارس الفلسفية.
وقد تختلف الحضارات.
لكن من ذلك لا يلزم أن تكون الحقيقة نفسها مختلفة.
مثلاً:
شخص قد يفهم مسألة رياضية بطريقة خاطئة، وآخر يفهمها بصورة صحيحة.
اختلافهما لا يعني أن الرياضيات نفسها نسبية.
وبالمثل، اختلاف البشر في فهم العدالة لا يثبت أن العدالة مجرد اختراع بشري. وهنا يجب التمييز بين:
Relativity of knowledge
أي نسبية المعرفة البشرية من حيث حدودها.
و
Relativity of truth
أي نسبية الحقيقة نفسها.
الأولى يمكن قبول كثير من جوانبها. لكن عندنا محدودة باصول دينية منها *(حلال محمد حلال الى يوم القيامة و حرام محمد حرام الى يوم القيامة)*
أما الثانية فهي باطلة دون شك.
*ثامنًا: الأخلاق والاحكام الفقهية ليست نسبية لمجرد اختلاف الثقافات والأزمنة*
هذه النتيجة بالغة الأهمية.
إذا اختلف مجتمعان في مفهوم العدالة، فهذا لا يثبت أن:
العدالة نفسها غير موجودة.
قد يعني أن أحدهما أخطأ.
وقد يعني أن كليهما أدرك جانبًا من الحقيقة.
وقد يعني أن التطبيق يختلف باختلاف الظروف.
لكن كل ذلك يختلف عن القول:
لا توجد حقيقة أخلاقية أصلًا.
في التصور الإسلامي، توجد قيم مرتبطة بالكمال الإلهي:
العدل، الصدق، الرحمة، الأمانة، الإحسان، حفظ الكرامة، الوفاء.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
فالقيمة لا تصبح صحيحة لأن المجتمع قرر أنها صحيحة.
بل المجتمع يمكن أن يقترب منها أو يبتعد عنها.
وهذا يشبه تمامًا اختلاف الموجودات في درجات التجلي:
التفاوت في التحقق لا يعني نسبية الحقيقة.
*تاسعًا: العبادة أيضًا ليست مجرد بناء ثقافي*
إذا كانت الحقيقة واحدة، وكان الإنسان كائنًا محدودًا، فإن العبادة يمكن فهمها عرفانيًا باعتبارها وسيلة لإعادة الإنسان إلى الحقيقة.
الصلاة ليست مجرد طقس أنتجته جماعة معينة.
والصوم ليس مجرد عادة اجتماعية.
والذكر ليس مجرد تقنية نفسية.
بل هي في المنظور الديني وسائل لتزكية الإنسان وإعادة ترتيب علاقته بمصدر وجوده.
قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾
فالعبادة لا تغير الله. إنما تغير الإنسان.
ولا تجعل الحقيقة أكثر حقيقة.
بل تجعل الإنسان أكثر استعدادًا لاستقبالها.
وهذا يتوافق بصورة عميقة مع مفهوم القابلية في العرفان.
*عاشرًا: العلوم الإنسانية تحتاج إلى التمييز بين «تعدد الإنسان» و«تعدد الحقيقة»*
هنا يمكن أن تكون الإضافة الأساسية للرؤية الإسلامية إلى العلوم الإنسانية:
نعم، الإنسان متنوع.
نعم، الثقافات متنوعة.
نعم، المجتمعات مختلفة.
نعم، طرق فهم الإنسان للوجود متعددة.
لكن:
تعدد البشر لا يساوي تعدد الحقيقة.
وتعدد اللغات لا يعني تعدد الواقع.
وتعدد الثقافات لا يعني أن كل القيم متساوية.
وتعدد التفسيرات لا يعني أن كل التفسيرات صحيحة.
وتعدد التجليات لا يعني تعدد الحقائق المطلقة.
وهذا التمييز ضروري جدًا.
*الحادي عشر: العرفان لا ينفي التعدد؛ بل يفسره*
القوة الفلسفية لنظرية التجلي ليست في أنها تنكر التعدد.
بل في أنها تفسر التعدد دون أن تجعل التعدد معيار الحقيقة.
هناك: *وحدة في الأصل مع كثرة في المظهر و تفاوت في القابلية و تفاوت في درجة المعرفة و تفاوت في درجة الكمال.*
وبذلك يمكن أن نفهم كيف يمكن أن يكون العالم متعددًا دون أن تكون الحقيقة نفسها نسبية.
*الثاني عشر: النتيجة الأخلاقية والمعرفية*
إذا كان الإنسان نفسه أحد الموجودات المحدودة، فلا يستطيع أن يجعل ذاته معيارًا نهائيًا لكل شيء. بل ينبغي أن ينتقل من: «أنا أقرر أفضل الحقايق والمعايير»
إلى: «أنا أبحث عن الحقيقة والمعيار الصح بطريقة تكاملية.»
ومن: «القيمة ما أختاره و استحسنه»
إلى: «ما القيمة والمعيار الحقيقي والصح التي ينبغي أن أكتشفها وأحققها بحسب ظروفي؟»
ومن: «أنا مركز الوجود»
إلى: «أنا موجود فقير ومحتاج لله، لكن لدي القدرة على معرفة الحقيقة والسير نحوها بمشيئته و برحمته وفضله علي.»
وهنا يصبح التواضع المعرفي ليس ضعفًا للإنسان، بل شرطًا لتجاوزه لنقصه.
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
