جذور العنف في الفكر التوراتي: لاهوت الدم وصناعة الكراهية وقتل الأبرياء كواجب مقدس
عند التوغل في أعماق لاهوت العنف الذي تقدمه نصوص التوراة في العهد القديم، نجد أننا لسنا أمام حوادث عابرة، بل أمام منظومة تشريعية وأيديولوجية متكاملة تبرر استئصال الآخر وإلغاء كرامته الإنسانية، حيث يكشف التوسع في هذا السياق عن أبعاد أكثر قتامة تتعلق بالتمييز العرقي، والتنكيل الممنهج، وإسقاط الصفات البشرية عن الخصوم.
ويتجسد لاهوت الاستباحة الإلهية أو ما يعرف بالحرب المقدسة الشاملة في تجاوز مفهوم الحرب الدفاعية، إذ لا يُعتبر قتل الأطفال والنساء ضررًا جانبيًا بل طاعة وتنفيذًا لمشيئة إلهية، وهو ما يظهر في الاستئصال البيولوجي الصريح بسفر التثنية الذي يأمر بألا تستبقى نسمة ما في المدن المفتوحة لإزالة أي أثر حضاري لغير العبرانيين.
فضلاً عن العقاب الجماعي الذي يطال الرضع بسبب خطايا أسلافهم كما في قصة عماليق، مما يؤسس لحقد عرقي عابر للأجيال ويلغي المسؤولية الفردية. كما تمتد هذه القسوة لتشمل تسليع المرأة وتحقير كيانها عبر معاملتها كغرض ملحق بالرجل، سواء في اغتصاب الزوجات كعقاب للرجال كما توعد الرب الملك داود في صموئيل الثاني، أو في تشريع بيع البنات كإماء في سفر الخروج، مما يكرس النظرة الدونية للمرأة كسلعة منذ الطفولة.
وتؤصل التوراة كذلك لنظام أبارتهايد وفصل عنصري قانوني يميز بين شعب الله المختار وبقية الأمم أو الأغيار، ويظهر ذلك في الربا التمييزي الذي يحظر على العبراني إقراض أخاه بربا ويبيحه مع الأجنبي، وفي اعتبار الأجنبي كائناً نجساً جوهرياً يوجب العزل الاجتماعي.
ولم تخلُ الأسفار التاريخية كيشوع والقضاة وصموئيل من قصص تفتخر بالتنكيل والتمثيل بالجثث، مثل تقديم داود لمئتي غلفة مهرًا لابنة شاول، أو تعذيب سكان مدينة ربة بني عمون بالمناشير ونوارج الحديد في أتون الآجر، وصولاً إلى ذروة التضحية البشرية في قصة يفتاح الجلعادي الذي ذبح ابنته وحرقها كقربان للرب وفاءً لنذره.
وفي الخلاصة الفلسفية، تكمن خطورة هذه النصوص في أدلجة العنف، فعندما يتحول القتل والاغتصاب والعبودية إلى فرائض دينية يفقد الضمير البشري قدرته على الاعتراض لاعتقاد الفاعل أنه يحقق إرادة عليا، وهو الفكر الذي غذى الحركات الاستعمارية وتيارات اليمين المتطرف التي ترى في إبادة الآخر واجباً توراتياً.
وبناءً على هذا التحليل، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كان حصر القداسة في نصوص تحتوي على مثل هذا العنف يمثل تناقضاً بنيوياً في الأديان، أم أن هذه النصوص يجب أن تُفهم كوثائق تاريخية بشرية لا علاقة لها بالخالق.
