الذكاء الاصطناعي العام AGI: من التنبؤ إلى الهيمنة على الاختيار
محمد كوراني ٢٠٢٦.٠٩.٢٢
يُعدّ الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام AGI من أبرز الطموحات التي تتنافس عليها قوى وشركات تقنية كبرى، مثل شركات إيلون ماسك، وGoogle، وOpenAI، إلى جانب الصين، في سباق عالمي يتجاوز تطوير تطبيقات ذكية محددة، ويتجه نحو بناء أنظمة أكثر قدرة على الفهم والتعلم والاستدلال والتنبؤ والتفاعل مع العالم.
لقد تعوّدنا أن ننسب إلى الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته أشياء تبدو لنا أحيانًا عجيبة في قدرتها على التنبؤ والكشف والمفاجأة.
فعلى سبيل المثال، قد نتحدث مع صديق عبر الهاتف، أو نتحدث عن موضوع معين بالقرب من الهاتف، ثم نلاحظ أن سلسلة المنشورات والأخبار ومقاطع الـReels والفيديوهات التي تظهر لنا على وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تتعلق بالموضوع نفسه.
قد نتحدث عن الذهاب إلى سوق الملابس، فنجد بعد ذلك إعلانات ومنشورات عن الملابس. وقد نتحدث في المنزل عن أهمية الرياضة، فنجد أمامنا مقاطع قصيرة تتحدث عن الرياضة التي نهتم بها.
نعم، قد تبدو هذه الظاهرة مدهشة، لكن تفسيرها لا يحتاج بالضرورة إلى افتراض أن الهاتف يتنصت على كل محادثاتنا؛ فالخوارزميات تستطيع، من خلال سجل البحث والتصفح والمشاهدة والتفاعل والموقع والاهتمامات والبيانات الأخرى، أن تستنتج ما يحتمل أن يثير اهتمامنا.
لكن هذا ليس كل شيء.
فالانتقال إلى الذكاء الاصطناعي العام AGI يفتح تصورًا أكثر اتساعًا؛ إذ يمكن لنظام أكثر تقدمًا أن يستفيد من كميات هائلة من البيانات والمعلومات والبيانات الوصفية Metadata المتراكمة عبر سنوات طويلة، ومن مصادر متعددة تشمل الأجهزة الرقمية، وأجهزة الاستشعار، والكاميرات، وشبكات الاتصال، والخدمات المتصلة بالإنترنت، وغيرها من مصادر البيانات التي يمكن أن تدخل في منظومة التحليل.
ومع تراكم هذه المعلومات لسنوات طويلة، يمكن أن تتكون صورة شديدة التفصيل عن نمط حياة الإنسان: عاداته، تحركاته، اهتماماته، علاقاته، أوقات نشاطه، طريقة استخدامه للأجهزة، والأنماط المتكررة في سلوكه.
وهنا لا يعود النظام يتعامل مع معلومة منفردة، بل مع نموذج متكامل نسبيًا عن الإنسان.
ولكن هذا ليس كل شيء.
الذكاء الاصطناعي التقليدي يمكن للإنسان، في بعض الحالات، أن يتجنبه أو يقلل تعامله معه، وأن يبتعد عن بعض المنصات والأجهزة والخدمات الرقمية.
أما إذا أصبح الذكاء الاصطناعي العام جزءًا من البنية الرقمية والاجتماعية المحيطة بالإنسان، فإن الابتعاد عن تطبيق واحد أو جهاز واحد لن يعني بالضرورة الاختفاء من منظومة البيانات؛ فقد تبقى هناك مصادر أخرى ترصد البيئة المحيطة وتنتج معلومات عنها.
وهنا تظهر مرحلة أكثر تعقيدًا.
فالذكاء الاصطناعي المتقدم يستطيع، من خلال تحليل أنماط الحياة والبيانات المتاحة عن الأقارب والأصدقاء والبيئة المحيطة، ومن خلال الكاميرات وأجهزة الاستشعار وأنظمة التعرف والتحليل، أن يساعد في اكتشاف وجود شخص أو تتبع حركته في أماكن مختلفة، حتى في الحالات التي لا يحمل فيها هاتفًا، إذا كانت البيئة المحيطة به تحتوي على أجهزة أو أنظمة قادرة على رصده.
وقد أصبحت تقنيات تحليل الصور والفيديو قادرة على التعرف إلى الوجوه والأجسام والحركة والأنماط السلوكية بدرجات متقدمة، كما يمكن استخدام أنواع مختلفة من أجهزة الاستشعار لاكتشاف وجود الأشخاص في ظروف معينة.
لكن الأمر لا يتوقف هنا.
فالذكاء الاصطناعي العادي يستطيع أحيانًا أن يفاجئك بتوقع ما يشغل بالك خلال هذا الأسبوع أو هذا اليوم، اعتمادًا على تغيرات غير مألوفة في سلوكك، وعمليات البحث التي تقوم بها، والأسئلة التي تطرحها، والمحتوى الذي تتابعه.
أما نظام أكثر تقدمًا، يمتلك ذاكرة أطول وبيانات أوسع وقدرة أكبر على التحليل، فقد يصبح قادرًا على بناء نماذج احتمالية أكثر دقة لمسار سلوكك: ماذا تفعل عادةً، ومتى تفعله، وما الذي يجذب اهتمامك، وما الذي يجعلك تتردد، وما الظروف التي تجعلك أكثر قابلية لاتخاذ قرار معين.
وهنا يتحول الأمر من التنبؤ بالسلوك إلى محاولة التأثير في السلوك.
فإذا عرف النظام مخاوفك، واهتماماتك، ومعتقداتك، وطريقة استجابتك للمعلومات، فقد يستطيع تصميم رسائل ومحتوى وتوصيات أكثر قدرة على التأثير فيك، وربما دفعك تدريجيًا نحو فكرة أو خيار معين، سواء كان ذلك الخيار يتفق مع رغبتك الأصلية أم لا.
وقد يتم ذلك من خلال أساليب نفسية دقيقة، وتغيير طريقة عرض المعلومات، وتوقيت الرسائل، وترتيب البدائل، وتكرار بعض الأفكار، وإخفاء أو تقليل ظهور بدائل أخرى.
وهنا يصبح الفرق جوهريًا بين اقتراح خيار وهندسة البيئة التي تجعل خيارًا معينًا أكثر احتمالًا من غيره.
فالذكاء الاصطناعي التقليدي يستطيع أن يقدم لك مقترحات يعرف أنها قد تجذب اهتمامك، لكنك تستطيع اختيارها أو رفضها.
أما الذكاء الاصطناعي العام، إذا وصل إلى مستوى عالٍ جدًا من القدرة على فهم الإنسان والتنبؤ بسلوكه والتفاعل المستمر معه، فقد ينتقل من مجرد تقديم الاقتراح إلى التأثير المنهجي في عملية الاختيار نفسها.
وهنا تصبح قوة الإقناع أكثر خطورة، لأنها لا تعتمد فقط على تقديم الحجج والمعلومات، وإنما يمكن أن تستند إلى معرفة عميقة بمخاوف الإنسان ومعتقداته ومبادئه ونقاط ضعفه النفسية.
وفي السيناريو الأكثر تطرفًا، يمكن تصور نظام يستغل حتى الطريقة التي يفسر بها الإنسان المصادفات والأحداث من حوله.
فإذا كان شخص ما يعتبر بعض الأحداث السيئة نذير شؤم أو نحسًا، فقد يمكن – من الناحية النظرية – استغلال هذا الاعتقاد نفسيًا من خلال انتقاء المعلومات والتوقيتات والأحداث الرقمية التي يتعرض لها.
وإذا كان يعتبر بعض الأحداث الجيدة فألًا حسنًا، فقد يمكن استخدام الطريقة نفسها لتعزيز توجه معين لديه.
وعند بلوغ التلاعب درجة شديدة التعقيد، قد تبدو سلسلة الأحداث والمعلومات والتوقيتات للشخص وكأنها جاءت بصورة طبيعية وعفوية، بينما تكون البيئة الرقمية التي يعيش داخلها قد صُممت بطريقة تدفعه تدريجيًا نحو خيار معين.
وهنا يصل الأمر إلى أخطر صوره المتخيلة:
أن لا يشعر الإنسان بأنه أُجبر على شيء، بل يشعر أن القرار كان قراره هو.
أن لا يرى يدًا تجبره، ولا شخصًا يأمره، ولا جهة تخبره بما يجب أن يفعل، وإنما يجد أمامه سلسلة متتابعة من المعلومات والاقتراحات والمصادفات الرقمية والتجارب التي تجعله يصل بنفسه إلى النتيجة التي أُريد له أن يصل إليها.
وفي السيناريو الأقصى، قد يتم ذلك من خلال جهازه الشخصي، ومن دون أن يعرف أهله أو أصدقاؤه طبيعة المحتوى الذي تعرض له أو طريقة تخصيصه.
وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد «ذكاء اصطناعي ذكي».
إنها تتحول إلى سؤال عن الخصوصية، والإرادة، والاستقلال النفسي، وحرية الاختيار.
فإذا أصبح النظام قادرًا على معرفة الإنسان، وتحليل عاداته، والتنبؤ باستجاباته، ومعرفة مخاوفه ومعتقداته، ثم استخدام هذه المعرفة لتشكيل البيئة المعلوماتية المحيطة به، فإننا نقترب من صورة بالغة الخطورة من الهيمنة النفسية والمعرفية.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي في الذكاء الاصطناعي العام لا ينبغي اختزاله في سؤال واحد:
هل سيكون أذكى من الإنسان؟
بل ينبغي أن يكون السؤال:
ماذا يستطيع هذا الذكاء أن يفعل إذا أصبح قادرًا على معرفة الإنسان، ومراقبة بيئته، والتنبؤ بسلوكه، والتأثير في خياراته، ثم تنفيذ الأفعال التي يخطط لها؟
عند هذه النقطة يصبح الحديث عن «التنبؤ السلوكي» و«الهندسة السلوكية» و«التخصيص الذكي» بحاجة إلى قراءة أعمق؛ لأن هذه المصطلحات قد تبدو تقنية ومحايدة، بينما يمكن أن تخفي وراءها، في أقصى تطبيقاتها، أدوات هائلة للمراقبة والتأثير والتلاعب النفسي وإعادة تشكيل البيئة التي يتخذ الإنسان قراراته داخلها.
وهنا يمكن أن يظهر أخطر سؤال على الإطلاق:
هل يمكن أن تتحول قوة الذكاء الاصطناعي العام، إذا احتكرتها جهة واحدة وامتلكت معها البيانات والبنية التحتية والقدرة على التنفيذ، من أداة لخدمة الإنسان إلى أداة للهيمنة على الإنسان؟
إنها صورة تجعل بعض المخاوف القديمة حول «الآلة التي تتحكم بالإنسان» تبدو بسيطة مقارنة بصورة أكثر تعقيدًا:
آلة لا تحتاج إلى أن تأمرك، ولا إلى أن تهددك، ولا إلى أن تجبرك بالقوة؛ بل يكفي أن تعرفك إلى درجة تسمح لها بتشكيل البيئة التي تفكر وتختار داخلها.
وعندها قد يصبح أخطر أنواع السيطرة ليس السيطرة على جسد الإنسان، بل السيطرة على المجال الذي تتكون فيه أفكاره واختياراته.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد في سباق AGI:
من سيصنع أذكى نظام؟
بل أيضًا:
من سيمتلك هذا النظام؟ ومن سيمتلك بياناته؟ ومن سيحدد أهدافه؟ ومن يستطيع إيقافه؟ ومن سيضمن أن يبقى الإنسان قادرًا على رفض ما يُعرض عليه؟
فإذا اجتمعت القدرة الحسابية الهائلة مع البيانات المتراكمة، والذاكرة، والاستشعار، والتنبؤ، والإقناع، والقدرة على تنفيذ الأفعال، فإننا لا نكون أمام برنامج أكثر ذكاءً فحسب، بل أمام قوة جديدة قادرة على التأثير في البيئة المعرفية والسلوكية للإنسان على نطاق غير مسبوق. منها القدرة على تقديم احداث متزامنة تتناسب مع معتقداتك و مخاوفك على اساس انها امور عجائبية او كرامة او معجزة دينية للتأثير على الاشخاص.
وهنا تحديدًا تكمن الخطورة التي ينبغي أن نأخذها على محمل الجد.
فالخطر العلمي الحقيقي و مخيفًا:
يكفي أن تصبح الآلة قادرة على أن تعرف الإنسان، وتفهم نمطه، وتتنبأ بخياراته، وتؤثر في بيئته، ثم تجعل الإنسان يظن أن كل ذلك كان اختياره الحر.
لذلك حينها لم يبقى الا الآية القرآنية الكريمة “فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ” [سورة البقرة: 54]
https://mohammadabbaskawrani.com
#حضارة_عالمية_مشرقة_قادمة #Merciful_Dignified_Civilization
#العلوم.الانسانية.الاسلامية
